ابحث عن  

in

 

  الصفحة الرئيسية

  الشعر

  أدب عالمي

  السرد

  الأخبار

  الإصدارات

  الحوارات

  الفنون

  المقالات

أدب عالمي

حين تقطعت الأوصال

الكاتبة المكسيكية أمبارو دابيلا

ترجمها عن الأسبانية محمد إبراهيم مبروك

 

وصل القطار حوالى الساعة السادسة صباحاً في أحد أيام نوفمبر الرطبة والباردة. وهكذا لم يتبينه بسبب الضباب. رفعت ياقة البالطو الفرو العالية، وكبست القبعة برأسى حتى الأذنين، ومع ذلك فلقد اخترقت برودة الضباب جسمى حتى العظم. شقة ليونيداس كانت توجد هناك. عثرت عليها في حى بعيد عن وسط البلد، في الدور السادس وفى عمارة متواضعة، كل شىء فيها: السلم، والممرات، الشقق كان الضباب يغلفها ويخترقها، وأثناء صُعودى المتواصل اعتقدت أننى سأبلغ الأبدية من كثافة الضباب ووطأة الصمت. ليونيداس، يا أخى، أمام باب شقتك أحسست بأننى ميت من التعب! كنت قد جئت لزيارتك، في السنة الماضية، في إجازة عيد الميلاد. على العشاء أكلنا من لحم الديك الرومى المحشو بالزيتون، وأبو فرو (الكستناء)، وكريمة إيطالية مضروبة في الخلاط، وفواكه مجففة ومسكرة. قال لى ووجهه يشع بالفرحة: "موسى، جاسبار إننا في العيد!" كانت الأيام كلها عيد. شربنا كثيراً، وتكلمنا عن أبوينا، وعن الفطائر المحشوة بالتفاح، عن سهر الليالى بجوار نار المدفأة، عن البايب الخاص بالعجوز، ونظرته وهو مطأطئ الرأس وشرود فكره الذى لا يمكن أن ننساه. وعن شغل السويترات التى كانت ماما تشغل نفسها به لفصول الشتاء من اجلنا، وعن تلك الخالة التى أخفت أموالها، وماتت من الجوع، عن مدرس الحساب بياقات قميصه المنشاة المتأنقة وكراڤتاته من شريط معقود (پابيون)، وعن البنات العاملات بدكان البقالة، واللاتى يدعوهن للذهاب إلى السينما بصحبته أيام الآحاد، وعن تلك الأفلام التى لا نتابع مشاهدتها، وتلك المناديل وعليها آثار أحمر الشفاه، والتى كان علينا أن نلقى بها في أى صندوق للقمامة. ومن تعبى نسيت أن أطلب من المرأة البوابة أن تفتح لى شقة ليونيداس. وكان لابد من إيقاظها. صعدت وهى نصف نائمة، تنتزع قدميها انتزاعاً. وهناك كان موسى وجاسبار، ولكنهما ما أن وقع نظرهما علىَّ حتى اختفيا وتبخرا. وقالت لى المرأة إنها كانت تأتى لهما بالطعام مرتين في اليوم. ومع ذلك كانا يبدوان لى ضامرين تماماً.

ـ كان مرعباً، السيد كراوس، بتلك العيون التى رأيتها هنا، في هذا المقعد، كما لو أنه يستلقى على مائدة. موسى وجاسبار كانا مرتميين على قدميه، واعتقدت في أول الأمر أنهم نائمين كلهم. ما أشد الهدوء الذى كانوا فيه! لكن الوقت كان بالفعل متأخراً. واستيقظ السيد ليونيداس مبكراً وخرج لشراء الطعام لموسى وجاسبار، أما هو فتناول طعامه في وسط البلد، أما فيما يخصهما فإنه يترك لهما دائماً وفرة من وجبات الطعام، وفجأة خمنت أن...

أعددتُ قليلاً من القهوة، وانتظرت وأنا أطمئن نفسى بما يعيننى حتى أتمكن من الوصول إلى توكيل ترتيب الجنازات وإعداد الموتى للدفن. ليونيداس، ليونيداس، كيف أمكن أنك، ليونيداس القوى، صرت غير قادر على الحركة في ثلاجة الموتى...!

في الساعة الرابعة وقت العصر كان الدفن. وكان البرد والمطر شديدين، وكل شىء صار رمادياً، وما كانت تكسر رتابة هذا اللون، هى المظلات الواقية من المطر، والقبعات السوداء، والمعاطف، والوجوه التى غامت وسط الضباب والمطر. وكان من شاركوا في الدفن أعداداً كافية من الأشخاص، ربما هم زملاء ليونيداس في العمل، وبعض الأصدقاء. ولقد أثار ذلك فيَّ أكثر الأحلام مرارة، وتمنيت أن أتجاوز محنة فقده هذه. وفى اليوم التالى استيقظت بدون هذه الغصة في الحلق، وذلك التمزق الشديد في العمق الذى أرهق عقلى تماماً. قسيس عجوز لكى يتلو الصلوات ويمنح القبر بركته... وبعد ذلك، شخص ما، وهو شخص لا أعرفه، قدم لى سيجارة، وأخذنى من ذراعى بألفة، معبراً لى عن مشاركته لى في الأحزان. وخرجنا من المقابر، وهناك بقى ليونيداس للأبد.

سرت وحيداً بلا هدف، تحت وابل المطر الرتيب المستمر، بلا أمل، بنفس مكسورة، أما ليونيداس، فقد انتهى، وانتهت بموته، السعادة الوحيدة لى في الحياة، فقد كان هو المخلص العظيم الوحيد الذى جعلنى مرتبطاً بالأرض، والذى لم يكن ممكناً أن ينفصل أحدنا عن الآخر منذ كنا أطفالاً. لقد أبعدتنا الحرب خلال سنوات عديدة، والتقينا بعد القتال والوحدة، وجنينا أعظم سعادة في حياتنا. وحتى الآن بقينا نحن الاثنان فقط، ومع ذلك، فما أسرع ما فكرنا في أنه لابد لنا من العيش معاً، كل منا بجانب الآخر. وهذا ما فعلناه بالفعل. فخلال تلك السنوات استطعنا أن نحصل على ما نحتاجه عادة، فسكنا، بحرية مطلقة. وعثر ليونيداس على وظيفة صراف في بنك، وتوظفت أنا محاسب في شركة تأمين. وخلال الأسبوع كل واحد منا يعيش مكرساً وقته كله لعمله، أو في وحدته. لكن أيام الآحاد كنا نقضيها معاً على الدوام. وحينئذ كنا سعداء جداً، وأستطيع أن أؤكد أن الاثنين اللذين كنا ننتظرهما وصلا في ذلك اليوم.

وفى وقت ما بعد ذلك، نقلا ليونيداس إلى مدينة أخرى، واستطاع أن يتفانى في البحث عن عمل آخر، فهو مع ذلك يتقبل هذه الأمور دائماً في هدوء. "ليس مجدياً أن تقاوم، فنحن يمكننا أن نقوم بألف جولة ونصل دائماً إلى النقطة التى بدأنا منها.". كنا سعداء جداً، شىء ما لابد أن يستمر، فالسعادة لها ضريبتها... هذه كانت فلسفة ليونيداس، وهو كان يتقبل الأمور بلا اعتراض. "هناك أمور تأتى عكس ما نحب، وتلك هى التى لا يمكننا مقاومتها يا عزيزى خوسيه...".

لقد رحل ليونيداس في أيام كانت قسوتها أكثر من أن تحتمل غيابه؛ وبعد ذلك، أخذنا بتأنى في ترتيب عزلتنا: فنكتب لبعضنا مرة أو مرتين في الشهر، أما أيام إجازاتى فكنت أقضيها معه، وهو يأتى ليرانى في أيام إجازاته، وهكذا كنا نقضى أيامنا...

كان الوقت ليلاً عندما عدت إلى شقة ليونيداس. كان البرد شديداً، والأمطار كانت متواصلة، وكنت أحمل تحت إبطى زجاجة روم كنت قد اشتريتها من محل بقالة وجدته مفتوحاً. كانت الشقة مظلمة تماماً، ومتثلجة من شدة البرد. دخلت أتخبط في كل شىء. أضأت النور، وشغلت المدفأة. نزعت غطاء الزجاجة بعصبية وبيدين مرتجفتين وبطيئتين... وهناك على المائدة، في الموضع الذى كان يشغله ليونيداس لآخر مرة؛ جلست لأشرب كى أخفف عذابى، وعلى الأقل فإننى وحدى ولست مضطراً لإخفاء عذابى أمام أحد. كان يمكننى أن أبكى، أصرخ و... فجأة شعرت بعيون ورائى. قفزت من المقعد والتفت ورائى؛ كانا هناك موسى وجاسبار. كنت قد نسيت وجودهما تماماً، إلا أنهما كانا يحدقان فىَّ بثبات. ولا أعرف ماذا أقول عن نظرتهما إلىَّ، وإذا ما كانت نظرة مرحبة أم مرتابة، لكنها ليست سوى نظرة منزعجة بشكل مخيف. ولم أنجح في التحدث معهما في تلك اللحظة، ما كنت أحسه بالكامل هو الفراغ، والغياب، كما لو أنه خارجاً عنى دون قدرة على التفكير بشىء، بالإضافة إلى أننى لا أعرف إلى أى حد هما يدركان الأمور... واصلت الشرب... وحينئذ أدركت أنهما يبكيان في صمت، والدموع تنهمر من عيونهما وتتساقط على الأرض بدون أى تكشيرة، ودون أى صراخ. وعند منتصف الليل، عملت قهوة، وأعددت لهما شيئاً ليأكلاه. لم يحاولا تناول لقمة، وواصلا بكاءهما المفجع المدمر...

ليونيداس كان قد قام بترتيب أموره. وربما أحرق أوراقه، لأننى لم أعثر على ورقة واحدة في الشقة، وأظن أنه باع الموبيليا متعللاً بالسفر: هم سيذهبون للعودة إلى مكانهم في اليوم التالى. أما الثياب وبقية الحاجيات الشخصية، فكانوا قد أتموا تعبئتهم بعناية في صندوقين للملابس وعليهما بطاقات كتب عليها اسمى. والمال، الذى دفعوه له مقابل الموبيليا، كان مودعاً في البنك، وأيضاً باسمى. كل شىء كان مرتباً بعناية. وما أوصانى به فقط كان دفنه، وأن أكون وصياً على موسى وجاسبار.

قرب الرابعة صباحاً، غادرنا إلى محطة السكة الحديدية: وقطارنا قام في الساعة الخامسة والربع. وموسى وجاسبار كان لابد وأن يسافرا، مع كراهيتنا الشديدة لذلك، في عربة البضائع، إذ أنها بلا مقابل، وكان ذلك مسموحاً به للمسافرين. كم كانت سفرية متعبة! كنت قد هلكت جسمانياً ومعنوياً، وتحملت أربعة أيام بلياليها بلا نوم أو راحة منذ أن وصلنى التلغراف بخبر وفاة ليونيداس. حاولت أن أنام خلال السفرية، وكانت لحظات فقط تلك التى استغرقت فيها في النوم. في المحطات التى يقف فيها القطار وقتاً أطول؛ ذهبت للاطمئنان على موسى وجاسبار، وما إذا كانا يريدان شيئاً من الطعام. نظراتهما آذتنى. بدت نظراتهما وكأنها تحملنى الذنب في وضعهما... وأنا لا ذنب لى، حضراتكما تعرفان جيداً، وكررت ذلك لهما في كل مرة، لكنهما لم يقدرا أو لم يريدا أن يفهما ذلك، ورأيت أنه من الصعب جداً عليهما أن يعيشا معى، وأنهما لم يحسَّا أبداً بالميل نحوى. بل أحسا بعدم الراحة في حضورى كرقيب عليهما. كان شيئاً بغيضاً أن أصادفهما في بيت ليونيداس في الصيف الماضى! وليونيداس تحاشى أسئلتى عنهما وشرح لى أنهما هكذا في أحسن أحوالهما، وأننى سأحبهما وسأكون صبوراً معهما. وقال لى: "إنهما بالغى الكرم في لطفهما هذان التعيسان" في تلك المرة، كانت وظائفنا مرهقة وشاقة، ولا يكفى القول بأن الشىء الوحيد الذى قمت به حتى أرى ليونيداس ملأنى بالسعادة... وهو بالفعل لم يرنى بعدها. ولذلك لم أستطع تركهما وحدهما موسى وجاسبار. وفى السنة التالية، وهى المرة الأخيرة التى كنت فيها مع ليونيداس، مضى كل شىء بشكل أكثر من العادى. صحيح أننى لم أرْق لهما، ولم يروقا لى، إلا أنهما لم يسببا لى بالفعل مضايقات كثيرة... ولم أعرف كيف توصلا إلى العيش مع ليونيداس... والآن هما معى، بوصية، وبميراث آل إلىَّ من صديقى الذى لا يمكن نسيانه ليونيداس.

بعد الساعة الحادية عشرة ليلاً، وصلنا إلى بيتى. كان القطار قد وصل متأخراً عن موعده بأكثر من أربع ساعات، وكنا نحن الثلاثة قد هلكنا. وما أمكننى أن أقدمه لموسى وجاسبار للأكل كان فقط قليل من الجبن وفاكهة. أكلا بلا حماس، ونظرا إلىَّ بارتياب. ألقيت لهما بعض الأغطية في الغرفة ليناما، وأغلقت علىَّ أنا باب غرفتى وتناولت قرصاً منوماً.

اليوم التالى كان يوم أحد. وذلك أنقذنى من الذهاب إلى العمل، ومن ناحية أخرى فأنا لم أكن قادراً على القيام به. كان في نيتى الاستغراق في النوم حتى وقت العصر. ولكن في وقت مبكر جداً، كما لو أنه بسبب النور بدأت أسمع جلبة. كانا هما اللذان قاما من النوم وأخذا يتمشيان من ناحية للثانية في الشقة، حتى وصلا إلى غرفتى، وظلا ملتصقان بالباب. كما لو أنهما يحاولان اختلاس النظر من خلال فتحة المفتاح أو ربما يريدان فقط التصنت لسماع صوت تنفسى ليعرفا إن كنت مازلت نائماً. وعندها تذكرت أن ليونيداس كان يأتى لهما بالإفطار في الساعة السابعة الصبح، وكان علىَّ أن أقوم من نومى لأبحث لهما عن طعام.

كم كانت قاسية وصعبة تلك الأيام التى تلت وصول موسى وجاسبار إلى بيتى!. كنت معتاداً على الاستيقاظ من النوم قبل الساعة الثامنة بقليل، لأعد لنفسى القهوة، وأخرج للعمل في الثامنة والنصف لأن الأتوبيس يتأخر في وصوله، وعملى يبدأ في الساعة التاسعة.

مع وصول موسى وجاسبار ارتبكت حياتى كلها. فلابد أن أقوم في الساعة السادسة كى أذهب بنفسى لأشترى اللبن وبقية ما نحتاجه من الطعام، وبعدها أعد الإفطار لهما ليتناولانه في السابعة بالضبط، كما تعودا عليه. ولو تأخرت يغضبان، كما يسبب لى ذلك، الخوف، لأننى لا أعرف ما هى الحدود التى يمكن أن تصل إليها حمى غضبهما. وكان علىَّ، يومياً، أن أرتب الشقة، لأنه منذ أن وجدا هنا، صار كل شىء يطاح به بعيداً عن مكانه.

لكن ما كان أكثر تعذيباً لى، هو عذابهما الميئوس منه، ذلك البحث عن ليونيداس وانتظاره ومراقبة الأبواب. وأحياناً عندما كنت أعود أنا من العمل، يجريان نحوى مخبولين، لكن عندما يكتشفان أننى أنا تبدو على وجه كل منهما خيبة الأمل، وما يعانيانه يجعلنى أنهار باكياً معهما في وقت واحد. وهذا كان الشىء الوحيد الذى نتشارك فيه. وكانت هناك الأيام التى، تقريباً، لا يستيقظان فيها؛ وتمر فيها الساعات بلا فائدة، فلا نشاط، ولا اهتمام بشىء. كنت أحب أن أعرف ما الذى يفكران فيه وقتها. وفى الحقيقة فأنا لم أوضح لهما شيئاً عندما ذهبت لآخذهما إلى بيتى، ولا أعرف إن كان ليونيداس قال لهما شيئاً عن ذلك، أو أن هناك شيئاً يعرفانه...

كان قد مضى ما يقرب من الشهر منذ إقامة موسى وجاسبار معى، عندما انتبهت إلى المشكلة الخطيرة التى راحا يسببانها في حياتى، إذ كان لى منذ سنوات عديدة علاقة حب مع عاملة الخزينة في المطعم الذى اعتدت أن أتناول طعامى به. وصداقتنا بدأت بشكل بسيط؛ إذ أننى لم أكن رجلاً من النوع الذى يغازل النساء، أنا ببساطة في حاجة إلى امرأة، وسوسى حلت لى هذه المشكلة. في الأول، كنا نرى بعضنا من وقت لآخر، وأحياناً كان يمر الشهر أو الشهرين نتبادل فيهما التحية فقط في المطعم بانحناءة من الرأس مثل الذين تربطهم معرفة بسيطة. كنت أعيش في هدوء خلال فترة من الزمن دون أن أفكر فيها، لكن فجأة ظهرت علىَّ مرة أخرى أعراض قديمة ومعروفة من مرض عصبى، نوبات تصرفات حادة ومفاجئة، واكتئاب. وعندئذ طلبت سوسى، ورجع كل شىء لوضعه الطبيعى، وصار بعد ذلك شيئاً تعودنا عليه. كانت زيارات سوسى تتم مرة كل أسبوع. وعندما أذهب لدفع الحساب بعدما أتناول طعامى، أقول لها: "هذه الليلة يا سوسى." فإن لم تكن مرتبطة بشىء، إذ أن لديها التزامات أخرى، ترد علىَّ: "سيكون هذه الليلة." أو تقول: "ليس هذه الليلة،غداً لو حضرتك موافق". ارتباطات سوسى لا تسبب لى أى قلق، فلا شىء يفرض التزاماً على أى منا تجاه الآخر، ولا شىء خاص على الإطلاق. وسوسى تتقدم في العمر، وتزداد سمنة، وأبعد ما تكون عن أن توصف بأنها امرأة جميلة، ومع ذلك، فرائحتها طيبة، وتلبس دائماً ملابس داخلية من الحرير مطرزة بالدانتلا، مما يؤثر بشكل ملحوظ في نفسى. أنا لا أتذكر أبداً ولا واحد من فساتينها، لكن أذكر قمصان نومها التى تتقلب بخفة. وهى لم تكن تتكلم أبداً خلال ممارستنا للحب، ويبدو أن الاثنان اللذان كنا هما كانا غائرين بشكل بعيد الغور داخل كل منا، كلينا نحن. وفى الوداع كنت أعطيها مبلغاً من النقود. "أنت حضرتك كريم جداً" تقول لى ذلك وهى راضية، لكن خارج هذا اللطف المعتاد، لم تكن تطلب منى شيئاً أبداً. إلا أن موت ليونيداس أربك علاقتنا التى تعودنا عليها، فقد مر أكثر من شهر قبل أن أطلب سوسى. كنت أعيش هذه الفترة كلها منهكاً مستسلماً للعذاب واليأس الذى أتقاسم أكثره مع موسى وجاسبار اللذان كانا شديدا الغرابة بالنسبة لى كما كنت أنا بالنسبة لهم. وفى تلك الليلة كنت في انتظار سوسى على ناصية المطعم، كالعادة، وصعدنا إلى الشقة. وكل ما حدث تم بسرعة شديدة والذى بذلت جهداً لأفهمه. فعندما مضت سوسى داخلة إلى غرفة النوم فوجئت بموسى وجاسبار وكانا منزويين في الركن وخائفين خلف الكنبة. وشحب وجه سوسى بالشكل الذى جعلنى أعتقد أنه سيغمى عليها وصرخت بعد ذلك كالمجنونة ثم اندفعت بسرعة جارية ونازلة على السلم وأنا أجرى وراءها، وصارت محاولة تهدئتها أمراً بالغ الصعوبة. بعد الذى حدث لسوء الحظ، لم ترجع سوسى إلى شقتى بعد ذلك. وعندما كنت أريد أن أراها، كنت أضطر إلى تأجير غرفة في أى فندق، وذلك ما لا يتفق مع ميزانيتى، ويسبب لى الضيق.

هذا الذى حدث مع سوسى، كان الأول فقط من سلسلة مصائب. ففى يوم قال لى بواب العمارة:

ـ يا سيد كلاوس، كل المستأجرين جاءوا ليشتكوا لى بسبب الضجيج غير المحتمل الذى يبدأ في شقتك في وقت مبكر جداً بمجرد خروج حضرتك للشغل.

ورجانى أن أحل هذه المشكلة. وبعدها كان هناك أشخاص مثل الآنسة إكس X والسيد أ واللذان نزلا إلىَّ بالليل، وقالا لى إنهما يحتاجان لأن يناما بالنهار.

ذلك أربكنى، فلم أعرف كيف أفكر. ومضايقات مثل التى يحدثها موسى وجاسبار بسبب فقدهم لمن كان يتولى أمرهم، والذى جعلهما يعيشان في صمت، على الأقل هكذا، أثناء وجودى في الشقة. ولما رأيتهما، وقد حُطَّ من قدرهما، ومنكسرى النفس، لم أقل لهما شيئاً؛ بدوت أمام نفسى قاسياً، وعلاوة على ذلك، لم يكن لدىَّ دليل ضدهما...

وبعد عدة أيام قال لى البواب:

ـ يؤسفنى ويصعب علىَّ العودة إلى المشكلة نفسها؛ لكن المشكلة أصبحت لا تحتمل بالفعل. ففى وقت مبكر جداً، وبعدما خرجت حضرتك، بدآ في رمى أوانى المطبخ على الأرض، وأوقعوا الكراسى، وأخذوا يحركون الأسرة والموبيليا كلها، وانطلقت صرخاتهما. صراخ، صراخ، إنهما مرعبان يا سيد كلاوس، ونحن لا يمكننا التحمل أكثر من ذلك، وهذا يستمر طوال النهار إلى أن تعود حضرتك.

قررت التأكد من ذلك فطلبت من المكتب إذناً بالخروج لمدة ساعة. وصلت في منتصف النهار. وجدت أن البواب والكل عندهم حق. فالعمارة بدت لى وكأنها سوف تنهار من شدة الضجيج الذى لا يمكن احتماله والصادر من شقتى. وما أن فتحت الباب حتى فوجئت بموسى واقفاً فوق الموقد، ومن مكانه هناك يقذف جاسبار بالكاسارولات والذى كان يجرى منه تفادياً للقذائف وهو يطلق الصرخات والضحكات كالمجنون، كانا مندمجين في لعبهما بحماس شديد للدرجة التى لم يعملا فيها حساباً لوجودى. كانت الكراسى مطروحة على الأرض، والمخدات مرمية فوق المائدة، وعلى الأرض. وما أن رأيانى حتى تسمرا في مكانهما كالمشلولين وصرخت فيهما غاضباً:

ـ أنا لا يمكن أن أصدق ما أراه بعينى. لقد وصلتنى الشكاوى من الجيران كلهم، ورفضت أن أصدقهم. حضراتكم ناس، ناس ناكرين للجميل، وتكافئوننى على حسن ضيافتكم بالإساءة ولا تبقون على ذكرى ولى نعمتكم، وموته صار كأنه شىء ومضى، وصار شديد البعد حتى أنه لم يعد يسبب لكما ألماً. وما يهمكم هو اللعب فقط، صغار عديمى التربية، صغار ناكرين للجميل...!

وعندما انتهيت من كلامى، تخيلت أنهما أرتميا على الأرض وانخرطا في البكاء، وهكذا! تركتهم ورجعت إلى مكتبى. وظل مزاجى سيئاً طوال اليوم، وعندما عدت في المساء، كان البيت مرتباً، وهما لائذين بدورة المياه. عانيت وقتها من مشاعر رهيبة بتأنيب الضمير، إذ أحسست أننى كنت بالغ القسوة مع تلك الكائنات المسكينة. ربما فكرت أنهما لا يدركان أن ليونيداس لن يعود أبداً، ربما يظنان أنه مسافر فقط، وأنه سيعود يوماً ما، وبقدر ما تتزايد الآمال في عودته، تقل معاناتهما. لقد أفسدت عليهما فرصتهما الوحيدة، لكن نوبات تأنيب الضمير انتهت فجأة، إذ عرفت في اليوم التالى؛ أن كل شىء عاد يحدث بنفس الطريقة، الضجيج، والصرخات...

عندئذ طلبوا منى إخلاء الشقة بحكم قضائى، وبدأت بذلك رحلة التشرد من مكان إلى آخر، شهر هنا، وشهرٌ هناك. وفى تلك الليلة أحسست بأننى منهك بشكل فظيع، ومكتئب بسبب سلسلة من المصائب التى حوطتنى. أخذنا شقة مكونة من حجرة ضيقة، ومطبخ، وحمام، وغرفة نوم واحدة. قررت أن أنام. وعندما دخلت الغرفة فوجئت بهما نائمان في سريرى، عندها تذكرت المرة الأخيرة التى زرت فيها ليونيداس، ليلة وصولى نفسها، أن أخى كان قد وضع سريرين في الغرفة: "موسى وجاسبار ناما في غرفة النوم، وعلينا الآن أن نأخذ راحتنا هنا." كان فيما قاله لى الكفاية، لكنى لم أفهم في ذلك الحين كيف استطاع ليونيداس أن يلبى رغبة هذين المسكينين. والآن فهمت، فمنذ احتلالهما لبيتى ذلك اليوم، وأنا لا أستطيع عمل شىء للخلاص منهما.

لم تكن لى أبداً مع الجيران علاقات حميمة، لما أبدو عليه من الإرهاق الشديد. فكنت أفضل عزلتى عنهم، وأن أحيا بشكل مستقل. ومع ذلك، كنا نتبادل التحية عند التقائنا على السلم، وفى الممرات، وفى الشارع... ومع وصول موسى وجاسبار تغيرت الأمور... ففى كل الشقق التى قضينا فيها وقتاً قصيراً جداً اكتسبت كراهية الجيران الوحشية، ووصلت للحظة التى كنت أخاف فيها من الدخول إلى العمارة أو الخروج من الشقة. وعند عودتى متأخراً في الليل، بعد أن أكون قد أمضيت وقتاً مع سوسى، أخاف أن أكون بادئاً بالشر. إذ أسمع الأبواب التى تفتح عند مرورى، ووقع خطوات خلفى، تتحرك بخفة، وفى صمت، تنفس شخص ما، وعندما، في النهاية، أدخل شقتى، أكون تقريباً قد استحممت في عرق بارد، وأنا أرتعد من أخمص قدمى إلى قمة رأسى.

وفى فترة وجيزة، كان لزاماً علىَّ ترك وظيفتى، خوفاً من أننى لو تركتهما وحدهما، فيمكن أن يقتلوهما. كان هناك من الكراهية في عيون الجميع القدر الذى ربما تكون نتيجته بسهولة؛ كسر باب الشقة، أو ربما يضطر البواب أن يفتحه لهم بنفسه، فهو أيضاً يكرههم. تركت العمل، وبقيت معى فقط كمصدر للدخل؛ الكتب التى اعتدت أن أحتفظ بها فأحملها معى إلى البيت. قصص وحكايات للصغار تركوا لى عدداً قليلاً منها، والتى بمثلها لا يمكننى أن أعيش. خرجت في وقت مبكر جداً، مظلم تقريباً لأشترى الوجبات التى أعدها أنا بنفسى. ولا أعود للشارع إلا عندما أذهب لأسلم أو أستلم كتاباً ما، وهذا يتم بشكل سريع، تقريباً وأنا أجرى حتى لا أتأخر. لم أعد أرى سوسى لافتقارى للنقود، وللوقت. فأنا لا يمكن أن أتركهما وحدهما لا بالنهار، ولا بالليل. وهى لم تتنازل أبداً وتقبل بأن تعود وتأتى إلى الشقة. وبدأت أبدد مدخراتى شيئاً فشيئاً، ثم بعد ذلك الأموال التى أوصى بها لى ليونيداس. وكان البؤس هو ما جنيته. فلم أكن أحصل على لا ما يكفى للأكل، ولا على ما يكفى للتنقل باستمرار من منزل إلى آخر. وعندئذ اتخذت القرار بالرحيل.

وبالنقود التى مازالت معى، اشتريت داراً قديمة عثرت عليها خارج المدينة، وقطعاً من الأثاث التى لا غنى عنها. كانت داراً منعزلة وشبه متداعية، لنعيش هناك نحن الثلاثة، بعيداً عن الناس كلها، وأيضاً لنتخلص من المكائد المحكمة التى تجمعها روابط خفية؛ لكن بكراهية سافرة لا مداراة فيها، وبعقل بارد، وغرض لا حل للغزه.

كل شىء كان معدَّاً للرحيل، كله أو الأفضل القليل منه الموجود لحمله. موسى وجاسبار انتظرا أيضاً لحظة البدء في التحرك. عرفت ذلك من خلال عصبيتهما. وأعتقد أنهما كانا مسروران وأعينهما كانت تلمع. آه لو أمكننى أن أعرف ما الذى كانا يفكران فيه...!

ولكن لا فكم تحزننى إمكانية أن أغوص للإمساك بوجوده الموحش الغامض. اقتربا منى في صمت كما لو أنهما يحاولا تشمم وجودى من تنفسى، أو يريدان معرفة ما أفكر فيه. لكننى أعرف ما يحسان به من خلال تهللهما بالفرح البادى عليهما من خلال الإحساس بروح الانتصار التى غمرتهما عندما رغبت في إفسادها. هما يعرفان أننى لا أستطيع، وأننى أبداً لن أستطيع تحمل أن أحقق رغبتى الأكثر تحرقاً... ولذلك استمتعا... كم من المرات كان علىَّ أن أقتلهم فيها لو كنت في وضع يتيح لى الحرية في أن أفعل ذلك! ليونيداس، ليونيداس، لا. ولو كان بإمكانى لنفذت ما أمرت به!. أنت تحبنى، بلا شك، مثلما أحبك. ولكن بموتك، وما أوصيت به، فأنت تقضى على حياتى. لا أحب أن أفكر، ولا أعتقد أنك أيضاً تحب التفكير، في اللعنة التى أورثتنى إياها. هل قررت أن تدمرنى. لا. أعرف أن شيئاً ما أقوى منا. أنا لا أحملك الذنب يا ليونيداس: لو أنك كنت قد فعلته لأنه هكذا يجب أن يكون... "يمكننا أن نقوم بألف جولة، لنصل دائماً لنقطة البداية".

 

 

 

أمبارو دابيلا

 

كاتبة مكسيكية، ولدت فى 1928 وحاصلة على جائزة: بيربياروبيا 1977. وهى واحدة من أهم كاتبات أمريكا اللاتينية فى القرن العشرين، ومن أوائل الكاتبات المجيدات فى القارة، إذ يتحدثون عنها بوصفها ((المايسترا)). وقد خاطرت بعزيمتها فى بحر الإبداع الهائج، فلم تقهرها غللانه، وساهمت بلك فى دفع موجة التجديد بالقارة، وقدمت نفسها بتوهج متفرد منذ مجموعتها الأولى: (حين تقطعت الأوصال) والتى تفهم بين دفتيها 12 قصة بالغة التنوع. ساعية من خلال نصوصها بجسارة الرغبة العميقة لديها لاكتشاف العالم الداخلى الصاخب والمخيف والغامض الذى تحياه الشخصيات بعذابات لا حد لها، وفى أوقات مشحونة بالتوتر من صراعها الداخلى والخارجى، فى بناء محكم، غنى بالتفاصيل بالغة الدقة والدلالة فى تلك المواجهات والمآزق الإنسانية، وقد تشكلت من هذا كله أجواء الشخصيات التى لاتنسى، والتى تقدمها لنا وهى تحيا دائماً على مستويين: الخيالى، والواقعى، مما يمكنها من اكتشاف وإدراك لغز ماساوية هذا الوجود فى قلب أوصال تقطعت.

ولقد أصدرت الكاتبة ثلاثة دواوين شعرية قبل أن تصدر مجموعاتها الثلاث وهى:

حين تقطعت الأوصال (1959).

موسيقى حية (1964).

أشجار متحجرة (1977). 

 

المترجم محمد إبراهيم مبروك: كاتب مجدد من طليعة كتاب القصة القصيرة فى مصر وله مجموعة مؤلفة (عطشىلماء البحر 1984) وكتاب مترجم (مختارات القصة القصيرة لأمريكا اللاتينية، وسم السيف 1999) عن المشروع القومى للترجمة للمجلس الأعلى للثقلفة بمصر.






---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ----------
آخر العناوين

 الشعر
 صدرُ الترابِ زجاجٌ
 للبصيرة مطرها أيضاً
 لهيب غيمة
 أدب عالمي
 قصائد للشاعر السويدي محمد عمر
 الصقيع وقصائد أخرى
 حين تقطعت الأوصال
 السرد
 الرأس
 العـائم
 قطّـة الخـلاء
 الأخبار
 فرقة همزة وصل للإبداع بآسفي
 ادونيس في مالمو جنوبي السويد
 ممدوح سالم ينهي (مهمة طفل) في فيلم سينمائي سعودي
 الإصدارات
 العائلة
 "كوميديا الذهول
 صدور كتابين نقديين للأديبة الأردنية سناء شعلان
 الحوارات
 المغربي عبد اللطيف الوراري:لاأريد أن أقع ضحيّة الموضات الشعرية
 النشر الإلكتروني.. هل من جديد؟
  أحمد إبراهيم الفقيه:خرائط الروح تؤرخ لتاريخ المشاعر الإنسانية في مرحلة ما
 الفنون
  ÒåíÑ ÇáäæÈÇäí íÚÊÐÑ Úä "ÑÇÓ ÛáíÕ"
 الكاتب المغربي محمد سعيد الريحاني:اعترف بأنني أكتب بشكل "مختلف".
 إبق ولنخرج سوية
 المقالات
 المالكي ...سيميائية النص..إحالة المعنى!!
 قـاسم حـداد يستعيد ذاكرتــه
 قراءة في المشهد الثقافي