طامي هراطة عباس
في مطلع آذار ، يخبأ الثلج المعتكف في الوديان المظلمة والعميقة برودته الباعثة على القشعريرة ، ربما يحترز لموسم أقل برودة ، لكن الريح المحتبسة في المناطق الدافئة ، تحمل ما أمكنها من برد الوديان والقمم فتلامس كل شيء في السهل الممتد قبالة الجبال ، تصطدم طلائعها بجدار الأشجار المتشابكة في مدخل السهل ، ثم تنفتح على الأدغال والشجيرات الصغيرة التي قوضها البرد ، وتعرج على القرى والقصبات المنثورة مثل وشم شاحب على وجه الأرض ... تدخل بيتنا ، حيث أنتظر في الباحة الكبيرة ، أنصت لهدير محرك السيارة التي تقله كل يوم ، أفزع أحيانا حين يكون مقعده في مقدمة السيارة شاغراً ، لكنه يفاجئني عندما أجده في المقعد الخلفي ، يعرف إنني أطل كل يوم من سياج البيت الواطئ ، يراني ويبتسم ، يضع إصبعين على فمه ويرسل لي قبلة في غفلة عن السائق ، أرتعش خلف السياج حين يختطف نظرة مني قبل دخوله بناية المدرسة ، الريح الباردة تُثلج وجهي لكن داخلي يهدر، أكاد أختنق ، افتح صدر ثوبي الواسع أفتح كوة للريح كي تطفأ تلك الانفعالات التي لا تكف عن إثارتي ، لكن صوت جدتي أبدا يأتي مثل نذر غامضة وطاعنة في السن مثلها ، فأختطف بضع قطع من الخشب واعدوا صوب غرفتنا حيث يختلط بخار الماء المنبعث من ( السماور ) برائحة الجبن والصوف المخزن في الاكياس ... - : إنها حماقة ، لا فائدة من اللهاث خلف هذا الحَضري ... ارسم في كراس صغير إشارات سرية : شفتين صغيرتين اكتب تحتهما الرقم عشرين ، قبلة اليوم هي العشرين!! ، لكنها لم تكن كذلك فعلا ، لكنني أحينا وليس دائما أتخفى في ظل تهويماتي ، نحن لم نتحدث بعد ، لم يمسك بيدي ، لم نتبادل كلمة واحدة ومع ذلك كنت أختض عندما أفكر بأن شخص ما سيفكك في يوم ما حياتي السرية هذه ، جدتي لا تجيد القراءة ، فمن يقلب شفراتي السرية هذه غير مخاوفي ، هي لا يمكن أن تكون غير العدوى، جدتي هي التي أصابتني بموروث هلعها ... > لم يعد الشاي ساخناً ، تمضغ جدتي طعامها على مهل ، بصرها الكليل لا يطال سطور كراسي ، أسخن الشاي مجددا ، أشعر بالبرد واقترب كثيرا من السماور، افتح ساقي المقرورتين ، أكاد أحتضنه ، فتنهرني : > - : عيب يابنت تكاد النار تلتهم ما بين فخذيك..! أضحك من أعماقي ، استلقي على قفاي من الضحك ، تضحك هي أيضا ، ثم أضع رأسي في حجرها ، أصمت قليلا ثم تنساب دموعي ، هي تدرك من استكانتي في حجرها إنني أبكي ، تتقصى منابع وجعي المنسفحة على خدي، تجففهما بأصابعها الرقيقة لكنها لا تفعل أكثر من ذلك ، حتى إنها لا تسألني لم أبكي ، حتى لو فعلت ذلك فانا لا أعرف حقاً لم أبكي ... لو قدر لهذا الدفء أن يستمر فسوف تنهض الأعشاب باكرا ، ستكتسح الخضرة كل هذا السهل الشاسع وستظهر زهور كثيرة لا أعرف كل أسماءها، وسيأتي الرعاة من كل مكان سنسمع صوت أغانيهم وناياتهم في النهار ونباح كلابهم عند الغروب وهي تحذر الذئاب المتربصة في الجوار وربما سأحظى بفرصة مرافقة أبناء أخوالي حين يقودون قطعانهم صوب المراعي القريبة من الجبل لكن ذلك ربما لن يحصل.. - : طبعا لن يحصل وأنت بمثل هذا السن ... - : حقاً ولماذا ؟ - : هكذا..! > لكنني أعرف لم لا يصطحبون الفتيات مثلي ، كنت أخمن بعض الاشياء ، لكن صاحبتي أخبرتني وربما لا يكون ذلك صحيحاً ، هي تكبرني بعامين لكنها تعرف أشياء كثيرة ، جدتي لا تحبها بالرغم من أنها غالبا ما تساعدني في كنس البيت ونشر الفراش في الايام المشمسة ... > تتسلل الريح من أسفل فتحة الباب ، تتململ جدتي من ضغط رأسي على حجرها ، أعتدل ، أتطلع إليها : تنسدل أجفانها وتنفتح ، أقودها الى فراشها القريب ، أغطيها باللحاف الصوفي لكنها تدفعه متذمرة ، أعود لمكاني عند السماور أقترب منه لكني لا أشعر بالدفء ، أفتح باب الموقد الحديدي الذي يتوسط الغرفة ، لا أجد غير بضع جمرات ذاوية أضيف إليهما بضعة قطع من الخشب الجاف ، وأنفخ ، أستمر بالنفخ حتى تنال الجمرات من الخشب ثم أغلق الباب الصغير، يغمر الدفء الغرفة ، تتراخى كل عضلة في جسمي يكاد النوم يسحبني الى مجاهله ، لكنني أنتظر صوت السيارة وهي تعود به ، انتظر أن تصحو جدتي لأخبرها إنني أعرف لماذا لا يصطحبونني معهم ذلك لأنهم لا يريدون أن أرى ما تفعله الماعز في موسم التزواج ... لكنني أعرف ...هكذا !!
---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ----------
|