ابحث عن  

in

 

  الصفحة الرئيسية

  الشعر

  أدب عالمي

  السرد

  الأخبار

  الإصدارات

  الحوارات

  الفنون

  المقالات

المقالات

قـاسم حـداد يستعيد ذاكرتــه

رشيد يحياوي

 1- سيرة الكاتب وأسلاف الكتاب

أصدر قاسم حداد كتابه المعنون " ليس بهذا الشكل، ولا بشكل آخر" سنة 1997 عن منشورات قرطاس بالكويت. ولأن قاسم حداد يعتبر في هذا الكتاب أن الكتابة قلعته، فيبدو أن ما وقع له شبيه بما يقع لمحارب شيد قلعة واسعة وأخذ يتدرب فيها على صنع الأسلحة لمدة عقد من الزمان، وفي الأخير اقتنع أنه ليس بهذا الشكل تكون الأسلحة، ولا بشكل آخر أيضا، وأنه آن الوقت لإعادة دمجها في آلة واحدة. وحين تأتى له ذلك، جلس قبالتها وأخذ يقول: الحقيقة أن هذه الأشكال كلها، ليس بهذا الشكل تكون، ولا بشكل آخر كذلك. إنها هكذا، وهذه هي هويتها.

الكتاب المشار إلى عنوانه، له أسلاف من الكتابة امتدت خلال عقد من الزمان، من منتصف الثمانينات إلى منتصف التسعينات. ولم تكتب بمقصدية أن تكون كتابا. بل اتخذت أشكالا كتابية متباينة، إلى أن قرر قاسم حداد أن يستعيدها كذاكرة كتابية ويجعلها تنكتب لتحكي سيرتها. لذلك فإن قراءة هذا الكِتاب تنفتح على مداخل مختلفة: أولا، مدخل يفكر فيه الكِتاب في ذاكرته ويبحث عن صيغة يتحول بها من شتات كتابي إلى كتاب. ثانيا، مدخل يختبر فيه الكاتب نفسه، قدرته على الثبات على مواقف معبر عنها سابقا تجاه ما يطرأ على المفاهيم والتلقيات من تحولات وتقلبات. ثالثا، مدخل يكشف عن مدى استعداد الكاتب للتخلي عن نصوص أبدعها ونشرها قبل ذلك وفقدت راهنيتها زمن تأليف سيرة الكتابة. رابعا، مدخل يبين التجاذب الذي يقع فيه الكاتب، حين يقف على حد فاصل بين مرحلتين، مرحلة يستعيد فيها ذاكرة كتابية، ومرحلة جديدة يتطلع فيها ليكون جزءا منها بأسئلتها ومتغيراتها.

ونعتبر- بالنسبة لنا على الأقل- أن المدخل الأخير من دواعي إعادة قراءتنا لهذا الكتاب في الوقت الراهن. فهو إذا كان يشهد - سواء بهذا الشكل أو بشكل آخر- على سيرة الكتابة لدى قاسم حداد حتى منتصف التسعينات، فإن قراءتنا هذه، قد تجعل قراء قاسم يقارنونها بما آلت إليه سيرته الكتابية التي نشرت في أواخر التسعينات أو عقب ذلك كما في كتابيه: علاج المسافة، وله حصة في الولع.

وقاسم حداد، شاعر مهووس بالمغامرة النصية، مفتون بألق اللغة، منجذب لتلك الدوامة التي يلتهب فيها اليومي بالجمالي. وهو أيضا، أحد أبرز شعراء جيله قدرة على احتواء التجربة احتواء فكريا، للتعبير عنها نقديا ورصد مكوناتها واستشراف آفاقها دون أن يسبب له ذلك اختلالا في المعادلة الصعبة: الجمع بين التعبير شعريا والتعبير نقديا. لذلك كتب قاسم حداد النقد بيقظة شاعر، لا تعنيه المقايسات، لكن يعنيه أن يقول عن الشعر كيف يراه هو.

هل يمكن للكاتب أن يقدم سيرة "أمينة" لتجربته؟ لا نظن ذلك هينا. لنأخذ أمثلة الحوارات الصحفية. فمع تضمنها مادة قابلة للتأريخ السيري لكنها تعكس تحولات آراء الكاتب الموازية لتحولاته في نوعية الممارسة النصية. قاسم حداد الذي كتب مثلا "خروج رأس الحسين من المدن الخائنة" ليس هو كاتب "النهروان" أو "عزلة الملكات" أو "أخبار مجنون ليلى". قاسم السبعينات ليس هو قاسم الثمانينات أو التسعينات. حتى لو افترضنا الفصل بين طبيعة النص المتحولة، وطبيعة الأطروحات الفكرية والإيديولوجية الأكثر ثباتا، فمن النادر أن يظل الكاتب محافظا على طريقة واحدة في التعبير عن أطروحاته وإلا أصبح متجاوزا ومتحجرا.

تخضع السيرة، أي سيرة، للموقف الآني لزمن الكتابة. ففيه تتم مراجعة شمولية لمجمل السيرورات التاريخية للكتاب، حيث يتداخل الرقيب الذاتي أو "المقص" الشخصي الذي لا يبقي من ذلك التاريخ إلا على ما يراه مناسبا لزمن الكتابة. ولكي تكون السيرة أمينة، يتوجب عليها أن تعيد نقل النصوص كما نشرت بالفعل، وأن ترصد المواقف التي سبق أن تم التعبير عنها حتى لو تناقضت مع الموافق المصاحبة للحظة كتابة السيرة. ونظن أن المؤهل، في هذه الحالة لكتابة سيرة النص أو سيرة الكتابة ليس هو صاحبها وإنما كاتب آخر ينظر إلى معطيات المادة نظرة مؤرخ حريص على إثبات شواهد التحولات والنقلات النوعية في مسار كاتب من الكتاب. أما حين يقوم الكاتب نفسه بكتابة سيرته الأدبية، فسنتوقع أن تصدر سيرته منتقاة خاضعة لتصفية، ولنقل تصفية "حساب شخصي" مع محطات في التجربة. فالكاتب يسعى في سيرته لأن يوصل للقارئ صورة الكاتب كما يجب أن يراها الآن، لا كما رآها في فترة سابقة.

كيف قدم قاسم حداد سيرته؟ لنقرأ هذه الكلمة الدالة المقتطفة من المقدمة والمثبتة على ظهر الغلاف: " كتبت هذه السيرة في فترات متباعدة، تمتد من منتصف الثمانينيات حتى منتصف التسعينيات في صيغة استجابات مختلفة وسياقات متنوعة: أجوبة على أسئلة في حوار، تعليق، مقال، مداخلة في ندوة، أو ذهاب ذاتي للبوح في صورة تأمل، يستبطن التجربة بآليات تتراوح بين الشك العنيف حينا، والثقة المبالغ فيها حينا آخر".

إن ما كتب في فترات متباعدة ليس هو السيرة بوصفها شكلا من أشكال الكتابة، بل مادة السيرة أو مرجعها. سيرة النص في حالتنا مناظرة لسيرة الحياة. فكما توجد أحداث في سيرة الحياة توجد نصوص ومواقف في سيرة النص، وكما يظل بعض الأحداث خارج الكتابة السيرية، كذلك يظل بعض النصوص. ولا يتحولان معا إلى سيرة أي تشكل في الكتابة، إلا بتداخل الذات الفاعلة، المؤولة والمؤرخة.

ترتيبا على ذلك، فإن ما يقدمه قاسم حداد في هذا الكتاب، ليس "سيرة نص" بالمعنى الحصري أي كتابة تأريخية ترصد تاريخ النص منذ نشأته متتبعة مسار نموه، بل سيرة جامعة، تعرض علينا نماذج من تاريخ ذلك النص من وجهة الحاضر دون حرص على المبدأ الأساسي الملازم لكل سيرة، أي إثبات التواريخ. إنها ليست سيرة انتقائية جامعة لنماذج فحسب، بل أيضا سيرة انتقائية جامعة لأنواع سيرية يخترقها الحوار والمقال والتعليق والمداخلات والبوح...

إنه فعل كتابي معتمد من الشاعر لإرباك مصطلح "السيرة" وإرباك القارئ التصنيفي، وبخاصة أن قاسم حداد أحد دعاة التخلي عن النمذجات والتصنيفات الحصرية المضيقة لفسحة الكتابة وحريتها في التنقل وعبور الأنواع. وإذا كان قاسم حداد أثناء حديثه عن مفهوم "النص" قال عنه بأنه "لا يكتب بهذا الشكل ولا بشكل آخر"، وهي العبارة التي استعارها لعنوان الكتاب، فالغالب أنه أراد بذلك العنوان أن يقول عن السيرة بأنها كأي نص " ليس بهذا الشكل ولا بشكل آخر" يجب أن تكتب. إنها سيرة في انتظار شكل غير معروف. بيد أنها أمامنا وبين أيدينا في هذا الكتاب، "بشكل أو بآخر" أيضا.

لنلاحظ أيضا أن العنوان الفرعي للكتاب يتضمن ما يلي: "سيرة النص، تسعة أصدقاء وحبيبة واحدة، بابان، وبحر عابر". وتلك محتويات الفهرس. فهل معنى ذلك أن "سيرة النص" هي جزء من الكتاب لا كله؟ قد لا تكون هناك فائدة في هذا النوع من المماحكات. فمقاصد النص معلنة. فبقدر ما يعرض أمامنا في الجزء الأول المعنون ب " سيرة النص" مادة تتقاطع فيها لغة السيرة بوصفها نوعا أدبيا، بلغة البيان النقدي ولغة النقد الإبداعي، يعقب ذلك بمتوالية من المواد ذات المواضيع والأشكال المختلفة فهي مسعى منه لتقديم نموذج من التأليف الجامع، أي الكتاب المتجاذب بين الوقوع موقع النوع، والكتاب المنفلت من ذلك الوقوع بدءا بالعنوان الملتبس للكتاب وخطوطه المتداخلة مرورا بالإهداء وصولا في مرحلة أولى إلى الكلمة التقديمية التي أكد فيها الكاتب معطيين هما :

أ- مراجعة مفهوم "الكِتاب" بعدم قصره على ثبات الشكل والمادة.

ب- بناء مادة الكتاب على التنوع والمغايرة بين نص وآخر.

ولا يمكن لنا - بطبيعة الحال- أن نفسر النوايا المعلنة لقاسم حداد بكونها "تغطية" ذكية لإحداث الانسجام في التنوع المتباين بين مواد الكتابة، بل يجب أن نرى في ذلك مسعى حقيقيا يدخل ضمن المنجز الفعلي للشاعر. منجز ظل في قلق جمالي لا يسكن بحثا عن تغيير عادات التلقي الساكنة وخلخلة جاهزية القوالب التعبيرية وإطلاق حرية الكتابة في فضاءات اللغة والتعبير والأشكال دون حجر أو وصاية. ذلك ما تجهر به "السيرة" وتدعونا للوقوف عنده.

 2- قاسم بين بين

حضور مصطلح " نوع أدبي" بارز في الكتابة وبخاصة في القسم المعنون ب"سيرة النص" وتتفرع منه مفاهيم مختلفة، في مقدمتها تشديد الكاتب على وجوب عدم الاحتكام لسلطة التصنيف النوعي. إذ يرى في تقديس مفهوم الفصل بين الأنواع عائقا أمام التحولات الثقافية والحضارية، وخاصة عند الذين يجعلون من سلطة الفصل بين الأنواع سلطة شبه دينية لا يجوز المساس بها. وقد عبر الكاتب عن هذه الدعوة في مواضع مختلفة (ص13،25 ،36،47) مع استعادتها في طيات قضايا أخرى. يقول في ذلك: "الأشكال الفنية الموروثة أخذت تفقد قداستها المتوهمة، منذ أن بدأ الكاتب إحساسه بأنها قيد يصادر الخطوات والتاريخ، ومنذ اكتشافه أن ثمة وهما اسمه الشكل الواحد الوحيد المستقر لطريقة التعبير" (ص25).

غير أن "عناد" التجديد لا "يطوح" بعيدا جدا بقاسم حداد لحد الدعوة مثلا إلى إلغاء الأشكال والأنواع من الوجود الإبداعي، فاستنارة منه بما سماه "ضرورة الديمقراطية" لا يمانع في أن يظل مجال الكتابة مفتوحا لتعايش كل أشكال التعبير، أخذا بمبدأي الحرية وإثراء المشهد الثقافي. (ص25.)

لذلك شدد الكاتب على وجوب توفير شرط الحرية. (ص25،26،79،98). وهي حرية تطول مستويين، مستوى موقع الكاتب عامة ورأيه تجاه قضايا الوطن والأمة، ومستوى موقعه ورأيه تجاه لغته في الكتاب، وخاصة إذا تعلق الأمر بتجربة جماعية كتجارب الشباب التي اتخذ منها قاسم حداد موقفا ايجابيا - وإن بحذر- في نصين من نصوص السيرة.

إن مبدأ الحرية في الكتابة، لم يحمل قاسم حداد على مراجعة السلطة الرمزية لمفهوم النوع فحسب، بل أيضا مراجعة السلطة المفترضة لمفهومي "نص" و "شكل"، خاصا إياهما بعدة فقرات، كلها يؤكد أن المصطلحين يجب أن يخضعا لمنطوق التجربة لا لقبليات جاهزة.

لقد أفضى البحث الدؤوب للشاعر عن شكل مناسب إلى الدخول في نمذجة جديدة يمثلها ما يسمى ب "النص المفتوح" كما تبلورت في عمله المشترك مع أمين صالح. حيث وجد الكاتبان في هذا النص فضاء مناسبا لتمظهر الطاقات الشعرية الدفينة المسنودة بحرية اختراق الأنواع. يقول الكاتب: "ولعلي في تجربة نص "الجواشن" الذي كتبته باشتراك مع الصديق أمين صالح، ذهبت إلى شكل تعبيري مفعم بالمكتشفات، ولكم أن تتخيلوا لقاء تجربة قادمة من القصيدة مع أخرى قادمة من القصة. تجربتان تشتركان في كتابة نص يختلف عن النوعين المستقرين". (ص 18)

ويتأكد هذا الفهم عند الكاتب في (ص38) حين يشير إلى الثراء الذي يتولد في النص بفعل الانصهار بين السرد القصصي والشعر سواء داخل كل شكل تعبيري على حدة أو داخل نص واحد من نوع النص المفتوح الذي يتضمن الشعر والحوار والتحولات السردية.

ليعبر قاسم حداد عن رأيه في الكتابة الجديدة المخترقة للأنواع الأدبية والمخترقة بها أثار قضايا شائكة منها: النص والشكل والسرد والشعر والحرية والتراث.. وضمن ذلك قصيدة النثر بوصفها تندرج في أفق الكتابة التجديدية. ومع أن قاسم حداد من المعدودين على قصيدة النثر وبخاصة في أعماله التي نشرها مع مطلع الثمانينات وأحد الذين يسألون في موضوعها كلما أجريت معهم مقابلة أو حوار صحفي، فإنه لا يبدو في سيرته هذه متحمسا للتطابق مع أفق هذا النوع من الكتابة الشعرية. فقصيدة النثر بالنسبة له واحدة من التصنيفات الرائجة التي اصطدم بها وفقد الثقة بها، متعاملا معها تعامله مع أي "معتقدات سائدة في النقد الأدبي، تخضع لضرورة وضع التصنيف وضع الذهاب قبل التجربة". (ص19). ويظهر أن السبب الأساسي الذي تذرع به لتبرير خلافه مع" قصيدة النثر"، هو حرصه على إيقاع اللغة. فحساسية الإيقاع، على حد قوله "عنصر أساسي مكون (ضمن عناصر أخرى) يمنح النص خصوصيته الشعرية (ص30). ويذهب الكاتب للقول بأن قصيدة النثر المستهينة بالإيقاع والموسيقى غير مستساغة تماما، بل يرى فيها خطرا قد يؤدي "إلى خسارات فادحة" سوف تؤثر على التكوين الجديد للتجربة الشعرية العربية"(ص32). لأجل ذلك عمل قاسم حداد على استلال مجمل تجربته من "عجين" قصيدة النثر، وكأنها لم تكن محسوبة في يوم على تلك القصيدة. يقول: "مبكرا شعرت بأن اصطلاح قصيدة النثر" تعبير مرتبك ومربك معا، ولا يستقيم مع حساسيتي الشخصية تجاه ما أعتبره شعرية الكتابة "(ص32).

وتخلي قاسم حداد عن مصطلح "قصيدة النثر" ليس وليد زمن هذا الكتاب، بل نرجع به إلى أواخر الثمانينات في بيان "موت الكورس". قد يكون بعضنا استغرب وقتها تلك الصيغة الآمرة التي عبر عنها قاسم حداد في حوار نشرته مجلة "اليوم السابع" (9 فبراير1987)، حين قال عن تعبير "قصيدة النثر": "لابد من التوقف عن استخدام هذا التعبير" (ص38). وقد تبين لنا بعدها، أن ذلك الأمر لم يكن ارتدادا، وإنما كان تعبيرا عن الرغبة في بحث أكثر رحابة.

وقد نختلف مع قاسم حداد في الصورة التي يقدمها لقصيدة النثر، ولا نرى أي تناقض بينها وبين النص المفتوح، بل نذهب إلى القول بإمكانية أن تكون نماذج من النص المفتوح، من مشمولات قصيدة النثر، فضلا عن أن قصيدة النثر لا تعادي، في الحقيقة، حساسية الإيقاع. لذلك فما قاله قاسم حداد عن قصيدة النثر، يصدق على بعض تجاربها لا على جملة تلك التجارب. وما زلنا في حاجة من قاسم حداد لمزيد من روحه التنويرية العالية للدفع بعناصر التقدم في المعرفة الشعرية العربية الحديثة، بما في ذلك أقصى صيحاتها في المغايرة التي قد لا تستجيب للحساسيات الإيقاعية ولكن لحساسيات أخرى تمثل بدورها وجها من أوجه الذائقة العربية. علما أن قاسم حداد ظل إلى غاية 1983 على الأقل، أحد المتحمسين لتعبير "قصيدة النثر" وأحد المدافعين عنه، بل ذهب إلى القول وقتها: "أعتقد أنني في قصيدة النثر أشعر بحرية خاصة في التعبير وأحيانا هذه الحرية لا تتوافر بالشكل الذي تتوافر به في قصيدة النثر" (مجلة أوراق –العدد6 /1983 ص 18).

ليس موضوع "قصيدة النثر" سوى موضوع جزئي في الكتاب وأحد مشتقات دعوة الكاتب لنص يراه أكثر انفتاحا، انسجاما مع بيان "موت الكورس" من جهة، ومع تجاربه الأخيرة من جهة أخرى. فسيرة النص المتضمنة في الكتاب، ليست سيرة النص الإبداعي فحسب، بل سيرة النص الثقافي والمعرفي أيضا، أي أنها تعرض فضلا عن آرائه في الأدب، آراءه في الحياة والحقوق والحريات. مع هيمنة لما اتصل بالمجال الأدبي، بحكم أنه يمثل الانشغال الأساس في حياة قاسم حداد بدليل قوله: "الكتابة شأن ذاتي قادر على حمايتي من هذا التدهور، فالكتابة قلعتي" (ص57).

ولكي تكون الكتابة قلعة، لابد من تحصينها لتمتلك القدرة على توفير الحماية. وتحصينها يقتضي بناءها ثم ردع ودحر الهجومات التي قد تستهدفها في وجودها. وبما أن الكتابة "شأن ذاتي" فإنها ستبقى - دون شك- عرضة لشؤون ذاتية أخرى تسعى لحماية أصحابها وتحصين قلاعهم. وفي هذه الساحة من القلاع المتنافسة في العلو والاتساع والتحصن، يحتمل أن توجد قلاع لا أسوار لها وهذا لا يهم هنا، فما يهما هو منظور قاسم حداد لضرورة الحسم في أمور ترتبط بهوية القلعة وأصولها وشكل معمارها. وبالنسبة لأي " قلعة " كتابة، يتوجب الحديث عن اللغة والقارئ والموضوع، باعتبارها صروحا لقلعة الكتابة. وسنلقى قاسم حداد، بحرصه المعهود، يسعى لتقوية أرض ودعامات تلك الصروح.

3- قــُـراء قــــاسم

يحتفي قاسم حداد احتفاء ملحوظا باللغة، ليس في شعره فحسب، ففي السيرة أيضا، لغة تجسد شرط الإمتاع بسبكها وتوزيع جملها وانتقاء مفرداتها وبشاعريتها. وتفصح فقرات عديدة عن ذلك الاحتفاء المعبر عنه نقديا وتأمليا: (ص19-51-54-60...). وقد رأينا أن احتفاءه باللغة في بعدها الصوتي جعله يختلف مع تجربة "قصيدة النثر" كما رآها. وفضلا عن ذلك ركز قاسم حداد على أبعاد أخرى في اللغة ومنها طاقتها التوليدية للصور: "الاحتفاء باللغة إذن هو الشرط الأول لتخلّق الحالة الشعرية، حيث الصور الفنية لا تحقق بغير طاقة الجمال الكامنة في اللغة." (ص19).

وينتج عن الاحتفاء بالبعد الدلالي والرمزي في اللغة، شعرية قد لا تخلق استجابة واسعة لدى القراء. وسنجد قاسم حداد واعيا بهذا المعطى، حيث سيخصص فقرات أخرى للحديث عن دور القارئ في التعامل مع النص، وعن نوعية القراء ومواقفهم من القراءة ومن النصوص الشعرية، وبخاصة منها تلك التي تنعت عندهم بالغموض.

وكأي كاتب طليعي، لم يحاول قاسم حداد إرضاء عامة القراء بل بحث عن القراء النوعيين، أي أولائك الذين يستجيبون للنص الجديد ويسندونه بألق التغيير، "قراء قليلون نادرون أحيانا، لكنهم مكتملو الحواس، قراء مثل جوهرة المراصد، يرصدون الأفق معك، يذهبون إليه معك، ويشكون فيه معك." (ص24). وهؤلاء هم القراء الإيجابيون. أما القارئ السلبي عند قاسم حداد، فهو الذي لا يرى في النص غير "الجنة" (ص28) التي يريدها مهيأة دون أن يكون لديه وعي بكون النص الجديد يفترض "قراءة صعبة" (ص36) تمارس "فعل إبداع شعري" (69) دون الاستسلام للأحكام الجاهزة. بذلك تتهاوى مزاعم الغموض التي يتحصن بها القارئ السلبي في قلعة القراءة: (ص40-41-42-68...).

سواء أتعلقت الكتابة باللغة أم بالقراءة فإن موضوعها يظل متداخلا مع تلك المعطيات، متمايزا عنها، بحكم طبيعة اشتغاله في النص من حيث بناؤه وانبناؤه. وبسبب طبيعة ذلك التداخل، أثار قاسم حداد سؤال الموضوع في الكتابة في سياقات مختلفة، في مقدمتها سياق التجديد الشكلي، حيث أكد احتفاءه بالشكل قبل مضمونه (ص14-15). دون أن يفيد ذلك اقتناعه المطلق بالفصل بين الطرفين. أما السياق الثاني لإثارته سؤال الموضوع، فنجده في إشارته الانتقادية لسيادة النظرة"الواقعية" بمعناها المذهبي، أي تلك التي تعطي الأسبقية في قيم الأدب والشعر لمحتواه وعلاقته الانعكاسية بالواقع (ص109-110). لذلك يرى قاسم حداد أن وظائف الكتابة لا يجب أن تحصر في مهام تغيير الواقع، بعد أن بدا جليا أن العالم والواقع أقوى وأكثر صلابة من أن يتغلب عليهما الكاتب بالكتابة. وفي هذا الإطار يكتب قاسم حداد مكاشفة أقرب إلى النقد الذاتي: "حاولت (بوسائل غير الكتابة) تغيير الواقع ففشلت". وما دام الكاتب لا يغير الواقع، فأنى للكتابة ذلك؟ "الكتابة لا تغير، وإلا كان عالمنا قد أصبح فردوسا منذ آلاف السنين". (ص57).

فأية وظيفة إذن للكتابة؟ إنها عند قاسم مطلب وجودي، إذ لا خيار عنده للكاتب سوى أن يكتب. وهو يكتب ليحصن ذاته ضد العالم (ص57-65-66) من غير توهم بالقدرة على تغييره.

لكي تكون الكتابة دفاعا وتحصينا، ينبغي لها أن تنحفر بكل مهاويها ومهالكها ومفاتنها وأحلامها في الذات. والذات فضلا عن كونها نصا ثقافيا ومرجعيا واجتماعيا وكيانا تاريخيا، هي جسد كذلك. جسد لا يوجد سوى في لغة الجسد.

وقاسم حداد يتبنى لغة الجسد في مفاهيمه وموضوعاته (ص28-37-39-...) بدءا من تشبيه "لحظة النص" ب "لحظة الجسد" إلى تأكيد كون النص "فضاء افتتان"، حيث "لذة الكاتب" و "متعة القارئ".

الجسد في الكتابة حسب رأيه "طاقة للجمال لا تتجلى في عريه الظاهر فحسب، ولكنها تكمن، خصوصا، في تخفيه وتماهيه وتماسه مع شهوة الغموض والسرية التي لا تضاهى". (ص29).

يتحول موضوع الجسد عند قاسم إلى موضع رمزي قادر على احتواء الحالات النفسية احتواء جسديا بتحويلها إلى جسد. وإضافة إلى ذلك، تتكشف في الكتابة احتمالات أخرى لفاعلية الجسد. حيث يتجاسد في النص موضوع الحرية مع فعل التعبير، وينفتح الشكل على حميمية الكتابة بهواجسها وأسئلتها مستدرجا القراءة إلى المتعة نفسها. يقول قاسم: "حالة القارئ مفتونا برعشة الملامسة الأولى لكتابة تزعم الجدة، وتذهب إليها، بعناصر لا تخذل، تذهب مثلما العاشق، يكتشف جسد حبيبته للمرة الأولى فيصاب بالسحر." (ص39).

جاءت لغة الكتاب متمفصلة عبر عدة لغات نقدية فضلا عن لغات أخرى إبداعية. ونحدد من لغاته النقدية ما يلي:

أ- لغة الحياد النقدي، حيث اللغة المنطقية الدقيقة.

ب- لغة الإبداع النقدي، حيث تنزاح اللغة عن مفاهيميتها متشبعة بألق التعبير الشعري.

ج- لغة التذويت النقدي، حيث تعرض المفاهيم والتجارب من وجهة نظر شخصية.

د- لغة التأريخ النقدي، حيث الحرص، في حالات محددة، على ذكر محطات تطور بعض التجارب الشخصية أو المشتركة مع كتاب آخرين مثل أمين صالح وضياء العزاوي.

وجود هذه اللغات وحوارها ينضاف إلى وجود وحوار بنيات نوعية مختلفة ذكر بعضها قاسم في المقدمة. ويتضافر ذلك في إضفاء صفة النص المفتوح، أو الكتاب المفتوح، وهو تعبير أكثر دقة في حالتنا هذه، حيث يمكن للقارئ أن يتنقل بين مشهد حكائي وآخر شعري وثالث نقدي ورابع سياسي... مما يفيد أن الكتاب في بعده النقدي توزع على عدة أنواع من الممارسات النقدية أملتها ظرفيات وشروط محددة. ونحدد أنواع النقد السائد في الكتاب، في :

أ- نقد الشعر.

ب- نقد المذاهب والمناهج الأدبية.

ج- نقد الرواية.

د- نقد المسرح.

ه- النقد السياسي والاجتماعي.

مع التأكيد على كونها لا تنضبط للمعايير المرجعية الصارمة للنقد، وإن توسلت روحها، وتمظهرت أحيانا بحيادها وموضوعيتها.

لقد تنوعت صيغ التعبير، وهي تنقل المحتويات النقدية وغيرها، بين المحكي القصصي القصير (ص125) والمقاطع المكثفة شعريا (ص211) ولغة المحكي الذاتي (ص195) ولغة الاحتجاج (ص 165) ولغة الترميز السياسي مثل نص "البروفة" (ص133)، فضلا عن الصيغ المذكورة للغة النقدية ولغة البيانات والشهادات..إلخ.

بين هذا وذاك نمت سيرة النص في الكتاب، عبر مفاصل إضافية تتمثل في العناوين ذات الإيحاءات والتراكيب الشعرية. ولعلها، في حد ذاتها، موجهة توجيها مقصودا لتنبيه القارئ لعدم تلقي الكتاب وفق أفق مستهلك وجاهز. بل وفق أفق تنشط فيه أفعال النفي بزرع مزيد من الشك في الثوابت بدءا من العنوان "ليس بهذا الشكل ولا بشكل آخر" إلى آخر أسطر الكتاب المقدمة بهذه الصيغة التشكيكية النافية المشيرة إلى المحذوف أو الغائب من النص وإلى بقاياه المحتملة، وجودا ونصية:

" فيما لست

فيما لست

فيما لسنا

فيما ليس

فيما..." (ص213)

ليس أمام القارئ سوى تجديد أطره في تلقي هذا العمل، إن شاء اقتراح نفسه للانضمام إلى لائحة التسعة المصطافين عند قاسم حداد، الذين قال عنهم: "ومادامت كتابتي تعجب تسعة أصدقاء وحبيبة واحدة، فهذا جميل وجدير ويكفي" (58)

قراء قاسم التسعة، أو العشرة، أو الذين لا يعدون على رؤوس أصابعهم، هم القراء المغامرون، الذين يشكلون قافلة من الاندهاش ويمضون في بساتين للكاتبة، تزهر كلما جالت فيها عيونهم. إنهم أبعد بكل تأكيد عن قراء الكهف، هؤلاء الذين حجبوا عنهم ضوء الشمس، وأغلقوا أرواحهم في وجه شذى الكتابة، فيما تمدد قربهم ذئب نقدي شرس ينام ولا يكف عن العواء.






---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ----------
آخر العناوين

 الشعر
 العَــرَبات
 الموت فضيحة الروح
 إِجَّاصُ الأَقَاصِي
 أدب عالمي
 قصائد للشاعر السويدي محمد عمر
 الصقيع وقصائد أخرى
 حين تقطعت الأوصال
 السرد
 شجرٌ أسودٌ قديم
 نساء في حياة " تشايكو فسكي "
 مُذَكِّّراتُ كاتب
 الأخبار
 فرقة همزة وصل للإبداع بآسفي
 ادونيس في مالمو جنوبي السويد
 ممدوح سالم ينهي (مهمة طفل) في فيلم سينمائي سعودي
 الإصدارات
 العائلة
 "كوميديا الذهول
 صدور كتابين نقديين للأديبة الأردنية سناء شعلان
 الحوارات
 المغربي عبد اللطيف الوراري:لاأريد أن أقع ضحيّة الموضات الشعرية
 النشر الإلكتروني.. هل من جديد؟
  أحمد إبراهيم الفقيه:خرائط الروح تؤرخ لتاريخ المشاعر الإنسانية في مرحلة ما
 الفنون
 الجنة الآن
  ÒåíÑ ÇáäæÈÇäí íÚÊÐÑ Úä "ÑÇÓ ÛáíÕ"
 الكاتب المغربي محمد سعيد الريحاني:اعترف بأنني أكتب بشكل "مختلف".
 المقالات
 لوحة المكان والحب والألوان
 المالكي ...سيميائية النص..إحالة المعنى!!
 قـاسم حـداد يستعيد ذاكرتــه