السرد
نساء في حياة " تشايكو فسكي "
|
|
مصطفى نصر
تابع " روبنشتاين" وجه صديقه " تشايكوفسكي" ، أحس بأنه يزداد نحولا ، وأن حركاته ازدادت عصبية هذه الأيام . يعرف " روبنشتاين" سر ذلك التغير الذي طرأ على حياة صديقه، فمنذ أن جاءت " ديزيه أرتو" إلى روسيا وهو مضطرب قلق، أحبها " تشايكوفسكي" لكنه غير قادر أن ينعم بهذا الحب ، يتمنى أن يتزوجها ، وبالفعل عرض عليها الزواج ؛ فوافقت وسعدت بذلك ،لكن المشكلة في " تشايكوفسكي" نفسه، فهو يزداد كآبة كلما اقترب موعد الزواج .
قال " روبنشتاين":
" ديزيه أرتو" لا تصلح لك زوجة ، فقد اعتادت الحياة الإيطالية التي تختلف عن حياتنا في روسيا .
حدثتها في هذا ، فقالت إنها مستعدة للحياة معي في أي مكان .
صدقني ، لو تزوجتها ستقضي على مستقبلك الموسيقي .
" روبنشتاين"، إنك تحثني دائما على الزواج ، فما الذي حدث ؟!
ديزيه امرأة جميلة ، جاءت إلى بطرسبرج مع إحدى فرق الأوبرا الإيطالية ، أعجب " تشايكوفسكي" بفنها قبل جمالها ، لكن أمها عارضت هذا الزواج بشدة ، فلم تكن مقتنعة ب" تشايكوفسكي" الذي يصغر ابنتها بخمس سنوات ، كما أنها لا تستطيع أن تقيم في بلد ؛وابنتها في بلد آخر ، ولا تستطيع أن تعيش بعيدا عن بلدها إيطاليا . وعارض " روبنشتاين" – صديق " تشايكوفسكي" وأستاذه – لأن " ديزيه أرتو" شخصيتها أقوي منه، وحتما ستؤثر على موسيقاه بعد ذلك. لكن الذي أثر أكثر في عدم إتمام الزواج؛ هو " تشايكوفسكي" نفسه ، الذي يود أن يقترن بها ويخشى على نفسه منها ، لذا ؛ فقد هرب إلى بيت أخته الريفي البعيد عن بطرسبرج دون أن يحسم أمره مع " ديزيه أرتو" .
بحث " روبنشتاين" عنه حتى وجده ، ضحك قائلا عندما رآه :
رغم أني كنت معارضا أمر الزواج من ديزيه ؛ إلا إني حزنت عندما جاءتني باكية تشكوك إلىْ .
ماذا قالت لك ؟
قالت إنها صدقت وعودك وتحدت أمها والآخرين الذين عارضوا الزواج ، وأرسلت إلى معارفها في إيطاليا وفرنسا وبلجيكا لحضور حفل الزواج .
شعر " تشايكوفسكي" بالأسى وازدادت همومه ، فربت " روبنشتاين" على كتفه قائلا:
" ديزيه أرتو" تركت روسيا نهائيا، وأظنها لن تأتي إليها ثانية .
***
عاد " تشايكوفسكي" ثانية إلى الأضواء، أقام الحفلات الموسيقية وانغمس في البروفات مع فرقته، وبينما هو يعزف على كمانه ؛ جاءته انطونيا، تابعته من خلف الباب الزجاجي المغلق، وعندما رأت " روبنشتاين" آتيا قالت:
أريد أن أقابل ذلك المتواري خلف الزجاج .
قالت بهيام شديد وهي تحرك جسدها كأنها تتحرك فوق خشبة المسرح :
إنني مجنونة بموسيقاه، أنام وأحلم بموسيقاه التي تنساب بين شعري وأصابعي .
دفعها " روبنشتاين" في رفق:
أفيقي يا فتاة ، أفيقي .
آسفة ، إن عشقي لموسيقاه جننتني .
أدخلها " روبنشتاين" ، وقدمها إليه ، قالت :
أي سحر ينساب بين أصابعك الرقيقة الخلابة هذه .
وصاج " روبنشتاين" بها : كفي يا آنسة .
توقف " تشايكوفسكي" عن العزف وتابع هذه المولهة به مندهشا ، قال " روبنشتاين" :
إنها مجنونة بموسيقاك .
صاحت وهي تتفرس في وجه " تشايكوفسكي" :
فعلا، إنها مسحورة ، أرجوك شدني من شعري، شد يدي لكي أفيق من حلمي الجميل ، أأنا حقا أمام " تشايكوفسكي" العظيم ؟!
صاح هو غاضبا :
تقدمي لكي أعرفك .
أنا " انطونيا ميليوكانا "، عازفة كمان في معهد الموسيقى القومي .
يعنى محترفة موسيقى .
وأود أن أعزف أمامك ، اسمح لي بأن أذهب إلى البيت لإحضار آلتي الموسيقية ، فلا أعرف العزف إلا عليها .
صاح " روبنشتاين": المهم أن تذهبي لنهدأ قليلا .
وأسرعت إلى الخارج وهي تلوح ل" تشايكوفسكي" من بعيد، فضحك وقال لزميله :
مجنونة ، لكنها جميلة .
أحس " روبنشتاين" بالخوف، فاهتمام فتاة بهذه الدرجة ؛ من الممكن أن تجعله يهتم بها هو الآخر ويعطي للموضوع أكثر مما يستحق :
أرجوك ، لا تأخذ الموضوع مأخذ الجد، فهي مجرد فتاة معجبة .
فعلا هي كذلك .
ودخل الخادم حاملا رسالة ل" تشايكوفسكي" من السيدة " ناديا فون بيك " ، فسأل " روبنشتاين":
تعرفها يا " روبنشتاين "؟
هي أرملة ثرية تعشق الموسيقى وتنفق عليها بسخاء، اقرأ ما تريد منك .
تعرض على إقامة العديد من الحفلات الموسيقية في قصرها وذلك نظير مبلغ كبير .
لا ترفض .
لكنها تطلب أن أسمح لها بالعزف على البيانو عند تقديم أعمالي !
وما في ذلك ؟!
أخشى أن يفسد عزفها موسيقاي ، لذا ؛ سأشترط أن أسمع عزفها قبل أن أبدي رأيا .
هذا من حقك .
ويتقابل " تشايكو فسكي" مع ناديا فون بيك ، ويعجب بعزفها على البيانو، يخبرها بأن عزفها أفضل من عزف بعض المحترفين .
***
تجلس انطونيا - التي صارت مرافقة لتشايكوفسكي - قلقة من أجله ، فمنذ أن عرف " ناديا فون بيك " وهو يغيب كثيرا عن بيته، صاحت أنطونيا ل" روبنشتاين" :
إنه يقضي معظم وقته في قصر السيدة ناديا .
إنه يجري البروفات اللازمة استعدادا للحفل الكبير .
لكن .....
أحس " روبنشتاين" أنها تكاد تبكي:
تغارين عليه ؟
كثيرا .
إذا أردت الفوز به اظهري اهتماما وحبا لفنه، فلو أحس أنك تعطلينه عن عمله ؛سيطردك من حياته نهائيا .
تظل شاردة حزينة إلى أن يأتي ، فتسرع إليه ، تمسك يده حانية :
عزيزي، ما الذب أخرك ؟
العمل يا أنطونيا ، العمل .
- أريد أن أذهب معك إلى قصر السيدة ناديا،لا أريد أن أبتعد عنك لحظة واحدة.
ستأتين معي يوم العرض.
استطاعت انطونيا أن تستحوذ على " تشايكوفسكي" ، وأن تشغله تماما ؛ حتى قرر أن يتزوجها ، هكذا أعلن أمام " روبنشتاين" الذي صاح به :
هي مولعة بك ، وستهتم بك وتحيطك برعايتها .
- لكن أسرتنا غير راضية على الزواج، يقولون إنها من أسرة أقل شأنا من أسرتنا .
لا تهتم ما دمت تريدها .
وتزوج " تشايكوفسكي" من انطونيا، أخذها وسافرا إلى ضيعة والده ، خاصة أن حالة الأب الصحية لم تسمح له بحضور الزفاف ، قضيا بعض الوقت هناك وعادا.
لاحظ " روبنشتاين" أن " تشايكوفسكي" غير سعيد، يتابع زوجته في ضيق ، وعندما سأله عن ذلك ؛ أجاب:
أتضح أنها لا تجيد عزف مقطوعة واحدة من موسيقاي ، واهتمامها بالموسيقي اهتماما سطحيا .
ليس مهما، المهم أن تكون زوجة مريحة تساعدك في عملك .
صاح " تشايكوفسكي" في ضيق:
لا، لا إنها قيد في عنقي ، قيود كثيرة تكبلني، لا تتركني لحظة، لا أستطيع أن أنفرد بنفسي لحظة ولو قصيرة .
وجاءت انطونيا صائحة :
" تشايكوفسكي"، أين ذهبت عني ؟!
انطونيا، دعيني بعض الوقت مع " روبنشتاين"، لدينا عمل مشترك.
أعملا ، وسأكون بجواركما .
وجلست تحت قدميه، وأمسكت يده، فشد يده عنها في عنف :
أرجوك، دعي يدي، أرجوك أدخلي حجرتك وسآتي إليك بعد أن انتهي من عملي.
سأدخل، لكن لا تتأخر .
وضحك " روبنشتاين":
فعلا، هي قيد ، لكنه قيد جميل .
تحك ، وأنا أكاد أجن .
***
أرسلت ناديا فون بيك في طلب " روبنشتاين" ، قالت :
أرسل إلى تشايكوفسكي يريد قرضا بألف روبل ليستطيع السفر إلى القوقاز للراحة من عناء الزواج .
هو غير مرتاح لانطونيا ويريد الهرب منها .
سأرسل إليه المال المطلوب ، ولو أن هذا حل مؤقت ، فزوجته مازالت في انتظاره .
ودارت انطونيا تبحث عنه ، ذهبت إلى السيدة ناديا، ظنتها تخفيه في قصرها ، لكنها لم تجده .
تهرَّب منها " روبنشتاين" أول الأمر ، لكنها طاردته في كل مكان وألحت في السؤال، فاضطر أن يكذب ، قال :
لقد سافر لجمع الموسيقى الشعبية ، وعندما أعرف مكانه سأخبرك .
ظلت انطونيا حزينة في انتظاره ، وعلمت بموعد قدومه من " روبنشتاين" الذي وجدها تبكي وتنوح معظم الوقت .
عندما هبط " تشايكوفسكي" من القطار طوقته بذراعيها ، أراد أن يخلص من قبضتها، لكنها تشبثت به أكثر :
مالك ،ألست سعيدا برؤيتي ؟!
سعيد .
وردد لنفسه: " ليتك تختفين من حياتي "
بعد أيام قلائل ذهبت ناديا فون بيك إلى " روبنشتاين" ، صاحت به :
" تشايكوفسكي" حاول الانتحار .
ماذا تقولين ؟!
ألقى ينفسه في النهر هربا من زوجته، لكن أحد البحارة أنقذه .
وكيف حاله الآن ؟
أصيب بنزلة شعبية حادة .
كان هذا هو آخر المطاف في علاقته بأنطونيا ، الكل يلومها لتعلقها به بهذه الطريقة الصعبة ، وهي أحست بأن الحل هو أن تتركه، فلقد أنقذه – هذه المرة – أحد البحارة ، فماذا سيحدث لو حاول الانتحار ثانية ، قالت ل" روبنشتاين" :
ما ذنبي، أنا لم أسيئ إليه .
أنا واثق من ذلك ، لكنه لم يرتح معك ، ونصيحتي أن تتركيه وشأنه .
بكت قائلة :
وأين سيذهب ؟
سآخذه إلى بطرسبرج، وسيبدأ إجراءات الطلاق .
---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ----------
|