سعاد ميلي
فراغ أبيض، يحيط بي من كل جهة، يستفزّ يدي الرقيقة للمبارزة، حملت الرّيشة، وفي قلبي همّ كبير، علي أن أنهي عملي لإسعاده، و إرجاعه فراغا مبدعا، قبل غروب الشمس.
هذا الفراغ، لا قيمــة له الآن، بدون ألوان تواسيـــه، هو فقط أبيـــض ممســوخ.
عبر عيوني السوداء، أجدني أراه أحلى و أحلى مع ألوان غير مرئية، ترقى إلى الذوق الرفيع،
و أستمع لأمنية في داخلي تقول: - يا الله.. كم أتمنى أن هذه الألوان الجميلة، التي تطير بحرية، من داخل قلبي الدافئ، تخرج لهذه الدنيا الحزينة، لكي تتّحد و تتشكّل مع بعضها البعض، بكل انسجام وتسامح، على سطح هذا الفراغ الدائري.
- متى تتّحد ألواني ؟ سؤال طالما يلحّ علي للإجابة، أفكر أنه على حق، لقد طالت المدة فعلا، عليّ أن أخرج لوحتي، من هذه العتمة البيضاء، لتصبح عالما متكاملا مبدعا، يضمّ بين رواقه ألوانا متمرّدة على هذا الواقع الكئيب، الذي يميل للّون الموحّد، كما لو كان العالم، خلق من أجله فقط.
في الحقيقة لا تهمّه رؤية الألوان الأخرى، ولا ضرورة لوجودها في هذه الحياة في رأيه، لكن لكي أكون أكتر مصداقية مع نفسي، أعترف أنه ربما قد يميل أحيانا، لمساعدة الألوان المنبثقة منه، كاللون الرمادي مثلا، أو أن يصاحب بتأفّف، الأبيض الخانع له بكل هدوء.
انتهيت من الجزء الأول، الخاص بتلوين لوحتي، لكنني أجد ألواني غلب عليها اللون الأحمر، لا أعرف لما ! توقفت ريشتي المرتعشة في ساعة الحسم، مستمعة بصمت، لدقات قلبي المتصاعدة كلما استخدمت اللون الأحمر سهوا مني، ترى ؟ هل يذكرني هذا بشيء ما ؟
تساءلت أمنيتي مرة أخرى: - متى تنتهي هذه الغفلة؟
توجّهت بنظري بعدها، إلى الساعة بارتباك واضح، تجلّى في ملامحي الشرقية، لم يتبق على غروب الشمس سوى القليل، علي أن أنهي لوحتي بسرعة، أخذت لونا وردياّ و أزرقا،
و غطيت اللون الأحمر.
- هذا هو الصواب. نطقت بهذه العبارة و أنا فخورة بالنتيجة، كان علي فعلها منذ وقت طويل، وهاهي الآن لوحتي، وجدت ضالتها أخيرا في اللونين المختارين.
---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ---------- ----------
|