www.fdaat.com

السرد
الرأس
By ياسر عبدالباقي
Mar 21, 2008, 23:59

ياسر عبدالباقي/ عدن

أخفاك والدك في سلة من القش ورماك في النهر. هكذا بدأت تحدثني أمي , بصوتها الهادئ الجميل , أردت أن أتفوه بشيء إلا أني عجزت . بقي ثغري مفتوحاً بدهشة ممزوجة بعدم التصديق , وسألتها :

وأنت من تكونين ؟

ابتسمت , ووضعت يدها على ذقني بلطف وتمتمت :

أنا امرأة عجوز , أخذت على عاتقي أن أربيك وأجعلك أفضل رجال قريتك , ها أنت لم تبلغ بعد العشرين , لكنك أقواهم وأشجعهم .

قلت غير مصدق :

لم أشعر يوماً أنك لست أمي , لماذا أبي رماني في البحر.

نظرت إلى وجهي طويلاً , وكأنها تتفرس وجهي , ثم نهضت فجأة , ودخلت المطبخ وأحضرت وعاءً مليئاً بالدقيق , وقالت بصوت حزين ويدها تدلك الدقيق بالماء :

ليحميك من الثأر , بني هي قصة طويلة مؤلمة , قبل عشرين سنة كانت هناك عائلتان في القرية المجاورة لنا , كل عائلة تكره الأخرى . إحدى هذه العائلات هي عائلة والداك ، عائلة ذات نفوذ وقوة والعائلة الأخرى كانت ضعيفة جدا , وطمعت العائلة الغنية بأرض العائلة الأخرى , وحدث بينهم اقتتال و..

وسكتت أمي العجوز وراحت لتحضر الماء وتصبه على الدقيق وكنت أراقبها , والقلق قد تملكني, قالت وهي تنظر إلى الدقيق :

ستصبح العصيدة التي تحبها جاهزة بعد دقائق .

لم أعد أحتمل الانتظار فصرخت :

ماذا حدث بعد ذلك يا أمي .

نظرت إلي مبتسمة , ابتسامتها التي تشعرني بالدفء والاطمئنان , قالت : فقدت العائلة الفقيرة كل شيء , قتل أبناؤها الصغار الثلاثة , والزوج , أما الزوجة فإنها استطاعت الهرب.

قدمت لي أمي العصيدة :

كلًّ يا ابني العزيز.

ثم تابعت تقول ورأسها إلى سقف البيت :

أنت أخفاك والدك في سلة من القش ووضعك بالقرب من النهر, حتى لا يقتلوك .

هتفت بذهول :

ولماذا لم يخفِ إخوتي معي .

قدمت وجهها نحوي وقالت بصوت محشرج ومؤلم :

ألم تفهم بعد ؟ ! أنت ابن العائلة الغنية الوحيد. لقد أخفاك والدك حتى لا يصل إليك أحد .

كادت العصيدة أن تخنقني , تحركت في مكاني , وقلت في كلمات متلعثمة : يا الله .. أنا ..

بقيت جالساً في مكاني. كانت الصدمة قوية , بدأت أشعر بصعوبة التنفس والجفاف في حلقي , توقفت عن أكل العصيدة ورحت أشرب الماء بكثرة , وكانت أمي واقفة ووجهها نحو جدار .. سألتها والكلمات تخرج من فمي بصعوبة :

- لماذا إذاً لم تأخذيني إلى أبي .

قالت وفي صوتها رنة غريبة لم أسمعها من قبل :

لقد أقسمت الأم بالانتقام .

أعدت إليها السؤال وكانت الكلمات تتحشرج في حلقي :

- لماذا .. لم تأخذيني إلى أبي.

استدارت وتقدمت راكضة نحوي , وكاد وجهها يلتصق بي , أخافني شكلها وأخافتني وهي تتكلم , كانت تقذف الكلمات على وجهي :

كل يوم ومثل هذا الوقت يذهب والدك للبحث عنك في النهر , كانت الأم تراقبه وتتلذذ وهي تراه يبكي ويتعذب , لقد أقسمت بدماء أولادها وزوجها بالانتقام .

أحسست بأن جسدي كله مقيد لم أستطع التحرك , وكأن الشلل قد أصابني, أردت أن أتكلم , لكن فمي بقى مفتوحاً دون أن أتفوه بكلمة واحدة .

قالت وهي تنظر إلى العصيدة :

إن العصيدة طعمها اليوم مختلف جداً.

وضحكت.

وسقط جسدي على الأرض , حاولت أن أجر نفسي إلى خارج البيت , لكني لم أستطع . بقيت في مكاني وكأني مقيد بجبل , سمعتها تقول :

أكثر مما تتمنى الأم , وهي ترى وجه والدك وهو يرى جثه ابنه بين ذراعيه.

أدرت عنقي نحوها بصعوبة , شاهدتها تذهب بخطوات ثقيلة إلى الدولاب وتخرج منها لفافة قماش قديمة , كنت قد سألتها منذ سنوات :

ماذا تخفين في هذه اللفافة يا أمي, ابتسمت لي ابتسامة ساحرة, قبلتني وقالت: إنها هديتك, عندما تكبر سأعطيك إياها.

ها هي الآن, تفرش اللفافة أمامي وتسحب منها هديتها لي . سيف طويل ,التمعت عيناها على صفيحة السيف , وتقدمت مني بنفس الخطوات البطيئة, حيث كنت جالساً عاجزاً عن الحراك , سوى عيني أتحكم بهما ,رأيتها ترفع السيف عالياً , حاولت أن أحرك جسدي بعيداً عن السيف, لكن جسدي المشلول , قيدني في مكاني , توسلت إليها بعيني أن تبقيني حياً , وجهها كان متجهماً , حدقت بي للحظات بقسوة , ثم.. هوى السيف للأسفل, وتدحرج رأسي في الغرفة مبعثراً العصيدة.

 

 



جميع الحقوق محفوظة لفضاءات ©