www.fdaat.com

المقالات
وجـوه مصطفى نصر
By د. السعيد الورقى
May 10, 2008, 23:52

 

د. السعيد الورقى

مصطفى نصر قصاص مبدع , حجم موهبته بقدر حجم إبداعه وربما أكثر اتساعا , قدم ولا يزال ؛ العديد من الروايات والمجموعات القصصية , كل عمـــــل لــــه خصوصيته وملامحه وله تفرده مع إنها جميعا تتحرك في دائرة الرؤية الواقعية .

وواقعية مصطفى نصر واقعية متحركة ممتدة , تصدق عليها مقولة جارودى واقعية بلا ضفاف . قدم مصطفى نصر أعمالا تنتمي إلى الواقعية النقدية وأعمالا تنتمى إلى الواقعية الطبيعية التحليلية , كما قدم أعمالا تأخذ ببعض سمات الواقعية الاشتراكية . وكما قدم واقعية الرؤية الخارجية المصورة من منطقة الملاحظ المسجل ؛ قدم واقعية الرؤية الداخلية التى تهتم بالواقع الداخلى للشخصية .

ومصطفى نصر في كل وجه من وجوه هذه الواقعية كان صادقا في الملائمة بين الموقف وعناصر الأداء والبناء بما يعكس حجم هذه الموهبة الطاغية .

ومصطفى نصر في إبداعه القصصى فنان متطور في رؤيته ومواقفه وفى أدواته السردية , فهو لم يقف عندما بدأ ليجود إبداعه ويعمقه ويقدم تنويعات لإعادة صياغة الموقف الأول ؛ وإنما يمضى متجاوزا كل مرحلة ليقدم مرحلة جديدة لرؤية جديدة باستمرار .

لقد أسس مصطفى نصر واقعيته التى تتسع لكل شئ في دائرة الماثل والممكن والمتصور , وأقام لكل واقعية جوها الفنى والأدائى , فكانت واقعية بحق واقعية بلا ضفاف , وجوها متمايزة وقف لحظة بتأملها ليجمعها في مجموعته الأخيرة " وجوه " , لتكون وقفة تأمل ونظر في المرحلة التى قطعها وقدم فيها : " الصعود فوق جدار أملس ,والشركاء , وجبل ناعسة , والاختيار, والهماميل , والجهينى , والنجعاوية , والإسكندرية 67 , وليالى غربال , وغيرها .

****

وجوه مصطفى نصر هو أحدث أعماله القصصية وأنضجها فيما أرى . يضم الكتاب عددا من القصص القصيرة الذى يعتمد في بنائه على اللقطة الماهرة الذكية التى تذكرنا بلقطات يوسف إدريس , مواقف عابرة من مواقف الحياة التى ربما لا تستوقف أحدا , لكن الإبداع الفنى وحده هو الذى يعطى لهذه المواقف المعانى الممتدة التى تغوص في أعماق نفوسنا فترينا المألوف جديدا والعادى فوق العادى , كما تعيد لهذه المواقف – بما تملكه من إثارة – كل أسباب الانبهار .

قصة " الاختيار الصعب" لحظة عابرة في موقف يمكن أن يتكرر في الحياة كثيرا , فزوجة الحلاق وقد مات عنها زوجها أبقت صبيه يدير المحل , فورثه بشكل غير شرعى , ظل يعمل كما كان وترسل إليه رتيبة الغداء كل يوم كما كانت تفعل في حياة زوجها , وفى المساء يحمل النقود والحلوى إلى رتيبة وابنتها التى تعلقت به , وعلى طريقة يوسف إدريس , ماذا يمنع من أن يحل محل معلمه في كل شئ , حيث تنهى رتيبة الموقف بقولها : " حلمى , تتزوجنى؟ " ولك أن تتساءل بعد هذا الموقف الفلسفى , وماذا تكون الحياة غير هذا ؟ إصرار على الاستمرار من خلال تتالى الأجيال , فالموت لا يعنى التوقف إلا لمن رحل فقط . أما إرادة الحياة فأنها تندفع في استمرارها إلى الأمام .

القصة مثل سائر قصص المجموعة تتحرك في حيوية متدفقة , حركة الحياة نفسها , تموج بالحيوية والعلاقات واللمسات السحرية التى تحرك الشخصيات والمواقف حركة الحياة في إطار الموقف .

وفى قصة " اكتشاف " تعيد الزوجة اكتشاف موقع زوجها في وجودها , هذا الموقع الذى غاب بالعادة والنكران لغياب زوجها يوما واحدا من وجودهم عندما سافر للمشاركة في زواج شقيقته . هكذا تسير الحياة في رتابتها المحكومة بالتعود حتى يحدث فجأة شئ خارج إطار هذا المألوف . فتنكشف لنا أمور ومشاعر وعلاقات لم نكن نعطيها قدرها من الالتفات . أن علينا أن نسمح لأنفسنا بالوقوف المتأمل لنعيد اكتشاف علاقتنا ومشاعرنا .

وعلى هذا النحو تضئ قصص المجموعة لقطات ذكية دافئة بالعلاقات والمشاعر تتصفح وجوه الحياة لتقدم لنا رؤية متكاملة للعلاقات البشرية في حركتها وحيويتها .

*****

ووجوه مصطفى نصر في مجموعته الأخيرة محطات لوجوه الرؤية الواقعية والتى مر بها إبداعه القصصى حتى الآن , فيقدم وجوها للواقعية النقدية في تركيزها على تلك المناطق المظلمة في حياة الإنسان والتى تحركها في الأغلب دوافع شريرة , كما يقدم وجوها من خلال رؤية واقعية تحليلية تستبطن المحركات والبواعث وراء الأفعال والعلاقات . ثم ينتقل إلى واقعية إنسانية تستمد تصوراتها من أفكار الواقعية الاشتراكية . وخلال تناول هذه الوجوه يتنقل من رصد الواقع الخارجى من منطقة الملاحظ المسجل وبين رصد الواقع الداخلى في تحركه وسيولته ومراوغته .

في قصة " هاتف من بعيد" يقتل عدلى خفير الشركة طعنا بالسكين لأن الأخير رفض أن يدخل عدلى السكاكين ليسنها في الشركة . فقد تضخم هذا الرفض حتى أصبح هما , وكان على عدلى أن يضع حدا لما رآه إهانــــة لــه أمام عمال الشركة , فقتل الخفير . الجزاء لا يساوى الفعل . ولكن الكاتب هنا أراد أن يبرز هذا الجانب المخيف في حياة الإنسان مع أن عدلى إنسان بسيط وخجول ومتدين ويتحدث في أدب جم وقلما تجد صوته عاليا كما وصفه الكاتب , إلا أن الإنسان إنسان , فيه الخير وفيه الشر , وربما كان الشر هو المحرك الحقيقى لأفعال الإنسان كما رأى الواقعيون التقدميون .

وفى قصة " الصوت الخافت " تطارد الحاجة إلى الرجل الزوجة التى مات عنها زوجها وهى شابة بعد , فتشعر بالقلق والتوتر الذى يحلله الكاتب بقوله : تداخلت الأصوات , رعد , ودقات طبول وكأنها طلقات مدافع . وأصوات بعيدة لحيوانات مفترسة تقترب منها كلما اقترب النوم من عينيها فتوقظها . لا حول ولا قوة إلا بالله . الليل طويل لا ينتهى . متى سيذهب ذلك الكابوس الذى يطاردها , فتنام – كما كانت – ملء جفنيها وترتاح " ويذهب الكابوس بمجيء أبى زيد شقيق زوجها ليتزوجها ويروى عطشها الظامئ , فتهدأ مع أنه كان يكلفها الكثير . فهو لا يعمل ويأكل كثيرا . لكنه رجل , وهى بحاجة إلى رجل . هكذا سيطرت الرؤية الواقعية النقدية على الوجه الأول من "هاتف من بعيد" , وسيطرت التحليلية الطبيعية على الوجه الثانى في " الصوت الخافت " أما الواقعية الإنسانية بتأملها في نبل الدفء الإنساني ولحظاته المتوهجة فهى السمة الأغلب لوجوه المجموعة , هي حلم " سيد ملك السودان " وتعاطف الرجل مع ربيبه رغم كل شئ فى قصة " السؤال" . ودمعة الزوجة المفتقدة لزوجها في " اكتشاف " وتعاطف الراوى بلا حدود مع صديقه في " الأستاذ".

****

ومصطفى نصر حكاء ماهر, مخيلته مليئة بالمفاجآت المثيرة يقصها في سيولة عذبة تشعر معها بنقاء الفطرة التى جبلت على الحكى . وكاتب القصة الجيد لا يستطيع أن يكون ماهرا في الحكى والسرد إلا إذا كان مفطورا عليه , إلا إذا كان من هذا الصنف من الرجال الذين لا تمل سماع الأخبار من أفواههم , فهو ينقلك على جناح الخيال السحرى إلى عوالم وحكايات توفر لك توازنا نفسيا أنت في مسيس الحاجة إليه , وتشبع لديك ظمأ التعرف والمعرفة التى تجعلك تعيش مغامرة الاكتشاف الجديد باستمرار .

والحكى عند مصطفى نصــــر لـــــه أسراره التى تدين للتقاليد الواقعية في السرد بالكثير , كما يعتمد على ما استبصره الكاتب من حرفيات خاصة في الصوغ والبناء .

اللحظة اللقطة أو الوجه كما أسماها الكاتب . هنا صورة وحركة وانفعال , وتسجيل سردى واستبطان داخلى , وحركة زمن ما بين اللحظة ألماوراء والأمام . انه تكنيك يستخدم كل ما عرفته القصة القصيرة من أبنية سردية , لكنه موظف بدقة ذكية , أجاد الكاتب صهرها وسبكها لتصبح شيئا جديدا , نرى فيه كل الحرفيات التى ألفناها لكن على نحو جديد يحمل شخصية الكاتب وموهبته وذكاءه الخاص .

تبدأ قصة " السؤال" بحوار بين رجل وامرأته , لا يلبث أن يتسع لحوار ثالث للطفل موضع الحوار بين الزوجين . الحوار يكشف عن غموض مقلق يهدد العلاقة بين الاثنين , كما يكشف عن طبيعة كل شخصية من الشخصيات الثلاث , ويستمر الحوار مع إطلالات على المنطق الداخلي لكل شخصية ليتكشف لنا الموقف أكثر , وليتعمق وعينا بالموقف والشخصيات . ثم يتوقف الحوار ليدخل السارد فيقدم المعلومات والعلاقات والزمن في تمدده وتداخله . ومن خلال هذا السرد نعرف أصل المشكلة وتطورها حتى وصلت إلى هذه اللحظة ؛ لحظة الانفجار . لكن موقف السارد وتسجيله الذى يشبه دور المؤرخ لا يكفى لأننا هنا أمام حركة حياة وأمام علاقات اجتماعية . وهكذا تحول المؤلف إلى تقديم داخل كل شخصية من خلال رصده لمنطق الشخصية الداخلية وتتبعه للأجزاء غير المنطوقة من حوارها . ويمزج بين هذا الاستبطان وبين السرد الخارجى الشارح والمفسر والمعلق في حيوية يقظة حتى ينهى قصته كما بدأها بحوار, لكنه هنا حوار قدم الحل وقدم معه المعنى.

****

مجموعة " وجوه " للكاتب المبدع مصطفى نصر في رأيي, هي أفضل وأنضج ما قدم الكاتب من أعمال قصصية حتى الآن , فهى إلى جانب هذا النضج الملحوظ في الصياغة والبناء تمثل – كما قلت – وقفة أراد الكاتب أن تكون تلخيصا لمجمل رؤيته الفنية خلال رحلة إبداعه حتى الآن . من خلال تلك الوجوه متعددة الزوايا والأبعاد , فأنت لا ترى حين تنظر إلى وجه سوى زاوية واحدة فقط , أو قل سوى بعد واحد فقط , أما سائر الأبعاد فيمكن أن تكتمل ملامحها من خلال تعمق الوجوه . فهذا التعمق هو الكفيل بأن يقدم صورة متكاملة الأبعاد للإنسان , صاحب تلك الوجوه .

د. السعيد الورقى

رئيس قسم اللغة العربية بكلية آداب الإسكندرية ( سابقا

 

 



جميع الحقوق محفوظة لفضاءات ©