www.fdaat.com

السرد
شجرٌ أسودٌ قديم
By محمد مجدي
Jun 10, 2008, 23:57


(طبقة من جهنّم)

محمد مجدي: مصر

ألف.

ألفيتُني برّيًا ، انقطَعَت بيَ العامراتُ عنِ الخرائِب ، و رأيتُها خربةً فانتبذتُ ربوةً و شدَدْتُ النجومَ إلى رأسي علّها تبقى ، عزّ الشّهيقُ ، و لَزَمَ الفِراقْ . بَدَت لي سوأةُ القَتْلِ ، أتشمّمُ عشبةَ الهواءِ الناميةِ ، عشبةَ الهواءِ الأبديّة . حثثتُ الخُطى و سألني الكَهلُ نهايةً . قلّمتُ ما استطعتُ مِن ضارٍّ يطفُلُ عليّ ، رأيتُ النواميسَ أنها سحرُ الصنّمْ ، و أنّها سحرٌ . هوَ الهَيامُ في الأودِيةِ ، الهائمُ الوحيدْ ، ليت الهائمينَ ، يعرفون ، الهيامُ يختارُ . شبّ الشّجَرُ الأسوَدُ القديمُ ، رعَى الشّجَرُ و مَضى . لمْ ألوِ على شيءٍ ، ورأيتُ الالتواءَ جليًا. القُلوبُ فيما حَولي تتناهشُ دمًا و لحما ، ولا تَعرِفُ الدمَ و اللّحمَ كما لا تشتعلُ الشعلة، إنها تشتعل فقطْ . حَزبَتني مواقيت الصّبِّ ، و كانَ لي أن أمتلئَ ، لأنني عرفتُ الانصبابْ . إبريقٌ مُعلّقٌ في نهايةِ لسانِ الماءِ ، و كأسٌ يتمّهّدُ ، لا يَروحُ الماءُ ، و أروحْ . كذا الوِديانُ وطبقاتُها و الرّكامُ و ما اعشوشبَ عليه مِن نُعاسٍ ، كالهَواءِ ، و الحياة . و فيما أمشي جاءتني الخُرافَةُ و سألتْني عن المَسْلَكِ ، و رأيتُها أنها الخرافةُ ، كاللغةِ ، و سألتْني عن اللغةِ ، فقلتُ : الدّمع و العَرَقْ ، غيرَ أنّها تناوَحتْ كثيرًا و بقيتُ أمامَ الكوّةِ أرتعشْ . جاءَ المشيُ و جاءَ الذّهابْ . المشيُ أنّهُ المَوتُ ، أنّهُ الشعلةُ تأكلُ الجسد ، منَ الكفّ للكفّ طريقْ . شرَحَني المَشيُ الطّويل على السّاحلِ ، و بانَ بي اللّون فبِنْتُ ، فارقتُهُ فجاءَني و شرَحَني و بِنتُ ، تحَولَقَ الأفْقُ في البَعيدِ و سارَت السفُنُ و جنّ الليلُ ، و كانت السفنُ أشجارًَا سودًا في الليلِ ، ولم تندُرِ الشّهبُ في هذه النّواحي من الغيبْ . قلتُ لمَن لَم يكُنِ : النّقشُ النّقشْ . و كانَ أنِ ارتُهِنَ المَشيُ بالنُّدرةِ ، وبما عزّ و استوحَشْ . اغرورَقت العينُ و بعْدَها الجمالُ ، و بعدَهُ الهُياجُ و الصَّبّ ، فبرقٌ أو هْجْسٌ ، ولَم تكن اكتملتْ كفّي .

 شين.

 شبّ الشجَرُ الأسوَدُ القَديم ، و غرابيبُ ذهابٍ و دلالةٍ ، دونَها كَسيرٌ أشارَ بمِنْسرِهِ لحلقةِ الأفقْ . نشبَ الصمتُ في الكفّ ، وكانتِ الحُروفُ حوافَّ العالَمِ ، ما آخرُ صوتٍ و ما آخرُ صدى ، و كثيرُ أنواءٍ و عزيزُ توقٍ ، لعزّتهِ أبرَقَ ، و لعزّتِهِ مَشيتْ .

 باء .

بدَهَني التّسليمُ أوَلَ ما بَدَهَ خائفًا ، مسربلاً بالندرةِ و مكتحلاً بالأركان . و الكفّ التهبَت بواطُنها كأنما على جَمرِ ، ولم تكن اكتملتْ . و جاءَ العِتقُ مع التسليمْ ، وجاءَت النجلاءُ مسبّحةً من الفَرطْ ، يعتَورُها المَنطِقُ في الخفيّ و المسرورْ ، وعرفتُ أنهُ جَوهَرٌ حيٌّ .اكتلأ اللّيل بي و تشرّدَ في أعضائي،وواطنتني الخُلوةُ الصافيةْ،وساورَني الصبُّ بالهَوَسِ و بالكآبةْ .

 جيم .

 جروحٌ. صفّرَت ريثَ أن مرّها الصّوتُ عصورًا مِنَ الصراخْ فضجّت حلقَتُها بالذّكْر و التفّت أدانيها على أقاصيها لمّا عرفَتِ الصبَّ فامتلأتْ، جروحٌ. انشقّت،حينَ وجدَ جذرُ الهواءِ خصبَهُ فيها نما، راحْ عارفُ الكهفِ كالسّيفِ عبورُهُ و بَرُدَت حوافّها و غنّتْ. جروحٌ. تلوّّت رداءا،رحَلَ الجلدُ و هامَ في وديانِ و صعدَ جبالا و تحاسرَ عن أنهارٍ و التمّ في رواحْ ودبّت بهِ أقدامٌ و شقتْهُ أعشابٌ سودٌ وانداحَ ليخفي و يناجي و يعلِن ، تفارَقَ على الوجهِ و التقى في الكفّ . جروحٌ .و جُرحانِ لم يشتعلا ، كالشّعلةِ ، لا تشتعِل ، بل تروح .راحا .شفران دمٌ و شفران نار.وفي دمٍ لا ينزفُ أبدًا منَ الأوّلِ كما اعتُرِفَ ، شاهدتُ نارًا ، وفي نارٍ لا تحرقِ في الثّاني كما اعتُرِفَ شاهدتُ ماءا . و طفِقتُ بالكفّ أزمّ عليهِما من الأرضِ و الهواء ، و أقطفُ من السّاحلِ الماءَ و أنبذهُ فيهما ، و أعلّقُهما على النّجمِ البعيدِ ريثَ أن يوصِدَهُما الملءُ و ما امتلآ فشبّ الصبُّ، و أنسُ الليلِ ما ترَكَني للنجمِ القريبِ إلا غائبًا ، أرى فيما أرى حلقةَ الشّرقِ تسوطُهما بنهارٍ أبَدٍ فيتلوّى ما شبّ في أديمهما من شَجَرٍ اسودّ منَ طولِ اشتعال

 

ياء.

 يأتي ليلاً على السّاحلِ يرفّ أسوداهُ ، مكتملةٌ كفّهُ بالسيفِ و قد تمنطقَ بالقوارير و الأنابيق ، يروحُ شعرُهُ و يغدو في الآفاقْ ، يعتَمِلُ الشّهيقُ بهِ كما عرِفتُ في نفسي ، وعيناهُ و شفتاهُ وردتان ، أقول: كفّي لم تكتمِل ، و حلقةُ الأفقِ مازالت فارغةً من الشّمسِ ، إنها تمتلئُ و أكونُ غائبًا في حالِ شجرٍ أسوَد ، و أعلَمُكَ و تعلَمُني للشّبهِ ، و أعرِفُكَ أننا بريّانِ انقطعت بنا العامرات. أقولُ فيركبُ البحرَ ويمضي .في تركِهِ تأتي حوافّ العالَمِ ، رقومٌ هي حوافّ المتون .حَرْفٌ حافّةٌ ،
حدّ السّيفِ .في تركِهِ أرى و يشبّ الشّجَرُ الأسوَد القديم 



جميع الحقوق محفوظة لفضاءات ©