www.fdaat.com

السرد
نساء في حياة " تشايكو فسكي "
By مصطفى نصر
Jun 10, 2008, 23:55

مصطفى نصر

  تابع " روبنشتاين" وجه صديقه " تشايكوفسكي" ، أحس بأنه يزداد نحولا ، وأن حركاته ازدادت عصبية هذه الأيام . يعرف " روبنشتاين" سر ذلك التغير الذي طرأ على حياة صديقه، فمنذ أن جاءت " ديزيه أرتو" إلى روسيا وهو مضطرب قلق، أحبها " تشايكوفسكي" لكنه غير قادر أن ينعم بهذا الحب ، يتمنى أن يتزوجها ، وبالفعل عرض عليها الزواج ؛ فوافقت وسعدت بذلك ،لكن المشكلة في    " تشايكوفسكي" نفسه، فهو يزداد كآبة كلما اقترب موعد الزواج .

قال " روبنشتاين":

" ديزيه أرتو" لا تصلح لك زوجة ، فقد اعتادت الحياة الإيطالية التي تختلف عن حياتنا في روسيا .

حدثتها في هذا ، فقالت إنها مستعدة للحياة معي في أي مكان .

صدقني ، لو تزوجتها ستقضي على مستقبلك الموسيقي .

" روبنشتاين"، إنك تحثني دائما على الزواج ، فما الذي حدث ؟!

ديزيه امرأة جميلة ، جاءت إلى بطرسبرج مع إحدى فرق الأوبرا الإيطالية ، أعجب " تشايكوفسكي" بفنها قبل جمالها ، لكن أمها عارضت هذا الزواج بشدة ، فلم تكن مقتنعة ب" تشايكوفسكي" الذي يصغر ابنتها بخمس سنوات ، كما أنها لا تستطيع أن تقيم  في بلد ؛وابنتها في بلد آخر ، ولا تستطيع أن تعيش بعيدا عن بلدها إيطاليا . وعارض " روبنشتاين" – صديق " تشايكوفسكي" وأستاذه – لأن " ديزيه أرتو" شخصيتها أقوي منه، وحتما ستؤثر على موسيقاه بعد ذلك. لكن الذي أثر أكثر في عدم إتمام الزواج؛ هو " تشايكوفسكي" نفسه ، الذي يود أن يقترن بها ويخشى على نفسه منها ، لذا ؛ فقد هرب إلى بيت أخته الريفي البعيد عن بطرسبرج دون أن يحسم أمره مع " ديزيه أرتو" .

بحث " روبنشتاين" عنه حتى وجده ، ضحك قائلا عندما رآه :

رغم أني كنت معارضا أمر الزواج من ديزيه ؛ إلا إني حزنت عندما جاءتني باكية تشكوك إلىْ .

ماذا قالت لك ؟

قالت إنها صدقت وعودك وتحدت أمها والآخرين الذين عارضوا الزواج ، وأرسلت إلى معارفها في إيطاليا وفرنسا وبلجيكا لحضور حفل الزواج .

شعر " تشايكوفسكي" بالأسى وازدادت همومه ، فربت " روبنشتاين" على كتفه قائلا:

" ديزيه أرتو" تركت روسيا نهائيا، وأظنها لن تأتي إليها ثانية .

***

عاد " تشايكوفسكي" ثانية إلى الأضواء، أقام الحفلات الموسيقية وانغمس في البروفات مع فرقته، وبينما هو يعزف على كمانه ؛ جاءته انطونيا، تابعته من خلف الباب الزجاجي المغلق، وعندما رأت " روبنشتاين" آتيا قالت:

أريد أن أقابل ذلك المتواري خلف الزجاج .

قالت بهيام شديد وهي تحرك جسدها كأنها تتحرك فوق خشبة المسرح :

إنني مجنونة بموسيقاه، أنام وأحلم بموسيقاه التي تنساب بين              شعري وأصابعي .

دفعها " روبنشتاين" في رفق:

أفيقي يا فتاة ، أفيقي .

آسفة ، إن عشقي لموسيقاه جننتني .

أدخلها " روبنشتاين" ، وقدمها إليه ، قالت :

أي سحر ينساب بين أصابعك الرقيقة الخلابة هذه .

وصاج " روبنشتاين" بها : كفي يا آنسة .

توقف " تشايكوفسكي" عن العزف وتابع هذه المولهة به مندهشا ، قال " روبنشتاين" :

إنها مجنونة بموسيقاك .

صاحت وهي تتفرس في وجه " تشايكوفسكي" :

فعلا، إنها مسحورة ، أرجوك شدني من شعري، شد يدي لكي أفيق من حلمي الجميل ، أأنا حقا أمام " تشايكوفسكي" العظيم ؟!

صاح هو غاضبا :

تقدمي لكي أعرفك .

أنا " انطونيا ميليوكانا "، عازفة كمان في معهد الموسيقى القومي .

يعنى محترفة موسيقى .

وأود أن أعزف أمامك ، اسمح لي بأن أذهب إلى البيت لإحضار آلتي الموسيقية ، فلا أعرف العزف إلا عليها .

صاح " روبنشتاين": المهم أن تذهبي لنهدأ قليلا .

وأسرعت إلى الخارج وهي تلوح ل" تشايكوفسكي" من بعيد، فضحك وقال لزميله :

مجنونة ، لكنها جميلة .

أحس " روبنشتاين" بالخوف، فاهتمام فتاة بهذه الدرجة ؛ من الممكن أن تجعله يهتم بها هو الآخر ويعطي للموضوع أكثر مما يستحق :

أرجوك ، لا تأخذ الموضوع مأخذ الجد، فهي مجرد فتاة معجبة .

فعلا هي كذلك .

ودخل الخادم حاملا رسالة ل" تشايكوفسكي" من السيدة " ناديا فون بيك " ، فسأل         " روبنشتاين":

تعرفها يا " روبنشتاين "؟

هي أرملة ثرية تعشق الموسيقى وتنفق عليها بسخاء، اقرأ ما تريد منك .

تعرض على إقامة العديد من الحفلات الموسيقية في قصرها وذلك نظير مبلغ كبير .

لا ترفض .

لكنها تطلب أن أسمح لها بالعزف على البيانو عند تقديم أعمالي !

وما في ذلك ؟!

أخشى أن يفسد عزفها موسيقاي ، لذا ؛ سأشترط أن أسمع عزفها قبل أن أبدي رأيا .

هذا من حقك .

ويتقابل " تشايكو فسكي" مع ناديا فون بيك ، ويعجب بعزفها على البيانو، يخبرها بأن عزفها أفضل من عزف بعض المحترفين .

***

       تجلس انطونيا - التي صارت مرافقة لتشايكوفسكي - قلقة من أجله ، فمنذ أن عرف " ناديا فون بيك " وهو يغيب كثيرا عن بيته، صاحت أنطونيا ل" روبنشتاين"  :

إنه يقضي معظم وقته في قصر السيدة ناديا .

إنه يجري البروفات اللازمة استعدادا للحفل الكبير .

لكن .....

أحس " روبنشتاين" أنها تكاد تبكي:

تغارين عليه ؟

كثيرا .

إذا أردت الفوز به اظهري اهتماما وحبا لفنه، فلو أحس أنك تعطلينه عن عمله ؛سيطردك من حياته نهائيا .

تظل شاردة حزينة إلى أن يأتي ، فتسرع إليه ، تمسك يده حانية :

عزيزي، ما الذب أخرك ؟

العمل يا أنطونيا ، العمل .

-  أريد أن أذهب معك إلى قصر السيدة ناديا،لا أريد أن أبتعد عنك لحظة واحدة.

ستأتين معي يوم العرض.

استطاعت انطونيا أن تستحوذ على " تشايكوفسكي" ، وأن تشغله تماما ؛ حتى قرر أن يتزوجها ، هكذا أعلن أمام " روبنشتاين" الذي صاح به :

هي مولعة بك ، وستهتم بك وتحيطك برعايتها .

-   لكن أسرتنا غير راضية على الزواج، يقولون إنها من أسرة أقل شأنا من أسرتنا .

 لا تهتم ما دمت تريدها .

وتزوج " تشايكوفسكي" من انطونيا، أخذها وسافرا إلى ضيعة والده ، خاصة أن حالة الأب الصحية لم تسمح له بحضور الزفاف  ، قضيا بعض الوقت هناك وعادا.

 لاحظ " روبنشتاين" أن " تشايكوفسكي" غير سعيد، يتابع زوجته في ضيق ، وعندما سأله عن ذلك ؛ أجاب:

أتضح أنها لا تجيد عزف مقطوعة واحدة من موسيقاي ، واهتمامها بالموسيقي اهتماما سطحيا .

ليس مهما، المهم أن تكون زوجة مريحة تساعدك في عملك .

صاح " تشايكوفسكي" في ضيق:

لا، لا إنها قيد في عنقي ، قيود كثيرة تكبلني، لا تتركني لحظة، لا أستطيع أن أنفرد بنفسي لحظة ولو قصيرة .

وجاءت انطونيا صائحة :

" تشايكوفسكي"، أين ذهبت عني ؟!

انطونيا، دعيني بعض الوقت مع " روبنشتاين"، لدينا عمل مشترك.

أعملا ، وسأكون بجواركما .

وجلست تحت قدميه، وأمسكت يده، فشد يده عنها في عنف :

أرجوك، دعي يدي، أرجوك أدخلي حجرتك وسآتي إليك بعد أن انتهي     من عملي.

سأدخل، لكن لا تتأخر .

وضحك " روبنشتاين":

فعلا، هي قيد ، لكنه قيد جميل .

تحك ، وأنا أكاد أجن .

***

       أرسلت ناديا فون بيك في طلب " روبنشتاين" ، قالت :

أرسل إلى تشايكوفسكي يريد قرضا بألف روبل ليستطيع السفر إلى القوقاز للراحة من عناء الزواج .

هو غير مرتاح لانطونيا ويريد الهرب منها .

سأرسل إليه المال المطلوب ، ولو أن هذا حل مؤقت ، فزوجته مازالت     في انتظاره .

ودارت انطونيا تبحث عنه ، ذهبت إلى السيدة ناديا، ظنتها تخفيه في قصرها ، لكنها لم تجده .

تهرَّب منها " روبنشتاين" أول الأمر ، لكنها طاردته في كل مكان وألحت في السؤال، فاضطر أن يكذب ، قال :

لقد سافر لجمع الموسيقى الشعبية ، وعندما أعرف مكانه سأخبرك .

ظلت انطونيا حزينة في انتظاره ، وعلمت بموعد قدومه من  " روبنشتاين" الذي وجدها تبكي وتنوح معظم الوقت .

عندما هبط " تشايكوفسكي" من القطار طوقته بذراعيها ، أراد أن يخلص من قبضتها، لكنها تشبثت به أكثر :

مالك ،ألست سعيدا برؤيتي ؟!

سعيد .

وردد لنفسه: " ليتك تختفين من حياتي "

       بعد أيام قلائل ذهبت ناديا فون بيك إلى " روبنشتاين" ، صاحت به :

" تشايكوفسكي" حاول الانتحار .

ماذا تقولين ؟!

ألقى ينفسه في النهر هربا من زوجته، لكن أحد البحارة أنقذه .

وكيف حاله الآن ؟

أصيب بنزلة شعبية حادة .

كان هذا هو آخر المطاف في علاقته بأنطونيا ، الكل يلومها لتعلقها به بهذه الطريقة الصعبة ، وهي أحست بأن الحل هو أن تتركه، فلقد أنقذه – هذه المرة – أحد البحارة ، فماذا سيحدث لو حاول الانتحار ثانية ، قالت ل" روبنشتاين" :

ما ذنبي، أنا لم أسيئ إليه .

أنا واثق من ذلك ، لكنه لم يرتح معك ، ونصيحتي أن تتركيه وشأنه .

بكت قائلة :

وأين سيذهب ؟

سآخذه إلى بطرسبرج، وسيبدأ إجراءات الطلاق .



جميع الحقوق محفوظة لفضاءات ©