|
www.fdaat.com
السرد
كابوسُ باقونْ*
By هرمس
Oct 5, 2009, 23:57
ذهبتُ إليهنّ، كنّ خمس أخواتٍ، سُمرٌ، طفلةٌ لم يجرِ عليها ما جرى على أختها الكاعب، ثم الثالثة كاعبٌ فارتْ، والرابعةُ اكتملَ فيها العنب، والخامسةُ، شابّةٌ تامّةُ العقل. لبسن البنفسجي، و كن سمراواتٍ، وكنّ ثائراتٍ، وكأنهن تحت تأثير الخمر، وبدا كل شيءٍ تحت تأثير الخمر، ورذاذ خفيف سبحَ في الهواء، كأنه مادّة الحلم نفسها التي تعطي الحلم سحره، ولكنها هنا كانت مكثفة في الهواء، تسبح في أكثر من سديمٍ أبيض شفاف، مكون من قطرات صغيرة من العطر الغريب، الذي شدّني إلى هناك.
إنه القصرْ إذن، والغائبُ غائبْ، والجنيات تُرِكْنَ لاجتذابِ الرواة، أولاهنّ أحماهنّ أخذتني، لنفائسَ من اللحمِ الساخنْ، وكنت أكتوي ولا أرتوي وأمضي في غيّ النار المعبأة في اللحم، وحولي جلست العائلات، ببيوتها، والكل سكرانٌ، يتحدّث عن عودة الغائب. كانت دهشتي تزداد وأنا أتبعُ العفريتةَ تلو الأخرى في الغرف المتوالجة، وكنت أتوجس خيفةً من محتويات الغُرَف، ومن ضياعها، واتهام الغريب. لكنني مضيتُ خلفَ الرائحة و الملمس والطعم، وصوت الضحك الذي كان يرنّ بالأصداء، وهكذا من عفريتةٍ لأخرى حتّى جاء الصّوت، وعاد الغائبْ، فالتزمن السواد وجلسن في الباحة، وجاء الغائب و حضر، وحضر في الباحة، وكان ذا لحيةٍ وخط الشيب منتصفها،ولم يتكلم كثيرًا، ونظر بالعرفان على الأعين.
بعد هذا أتى الأخوان، وكانوا خمسة أخوانٍ بيضًا، عليهم سمت الفتوّة، وطيشُ اليفاعة، وأخذوني لنرتع، فذهبتُ، ومشينا في دروبٍ ضيقةٍ مفضيةٍ لدروب، ثم شرعوا في الصّيد، وحين وقعت أول فريسةٍ، والتي كانت رجلا خبيثا ممسكا بمسدس، بدأ الأخوان يتكالبون عليها تكالب الذئبات والضبعات، على عجلٍ نحس، وكنتُ أشاهد، حتى إن رأيتُ المسدس أشرف، فانقضضتُ عليه وقد انكشف، ونزعته من يدي العجل، فربّت أكبرهم على كتفي و جذبه مني فلم أقاوم، وقال: هذا أول أخذك السّلاح.
بعدها بدأ الركض، ثم ركضنا، وركضت من حولنا النوافذ والأبواب، وكأنه القصر، وكأنهن البنات، نائحات، وكأنه القصر قد انفرد على الجانبين، فجاءت مشاهده، ثم وكأننا فيه، وأن له شرفةً بها جلسنا، الغائب الذي حضر و حوله العائلات ، والبنات الخمس، والصبيان الخمسة ثم وكأن من الشرفة بدا سلّمٌ عريضٌ مفضٍ، نزلتْ الناس عليه، تشير إلينا، وبعيونها الرعب، وكانت الناس تتكالب، و العائلات تتململ، وشحّ رذاذ الأثير من الحلم، وزالت الرائحة المسحورة، وأنا جالسٌ أحكّ ما استطعت من لحمي بلحم تلك، أو تلكم، خلسةَ السارق، وشهوةَ الملتذ بما وقر في قلبه ،وكانت الجموع تزداد و تخطف، ثم تقصف، فانفضت الجلسة، وهربت الجنيات فتبعتهن، وجالستهن واحدةً واحدةً في الخوف، لأنسيهن الخوف، فلم ينسين، ثم بكين، فلم أخف، وعدت لأرى، فإذا الجموع تطلب رأس الحاضر الذي هرب، وأنا لا صهر ولا عصب، فتراكضتُ في القصر، أنظرُ هنا وهناك أن أجد خشبةً أو قضيبا ، أدفع به عن جنياتي الفَرِقَات، فلم أجد إلا امرأتين عند الذهب. يشربن العنب.
حسرتي عبئوها، وفي الأصفاد وضعوها وأخذوها للقبو، الذي لم أدرِ أكان بالقصر، أم أننا خرجنا إليه، وهناك آنسني أنيسٌ مأمون من الأرض، وقال انظر فالنظرُ فرض، فنظرتُ لأجسادٍ تسيل، وأجسادٍ تحترق، وقال أنت الآن خارج الغرق، فانظر واسترق، فنظرت، فسألت: مابال العشيرة التي كنت فيها، فقال أولئكَ سيؤكلون على مهل، فحزبني الأمر، وغضضت البصر، فقال انظر، فنظرت، ومضيت في القبو لأرى، بشرًا كانوا بشرا، ملفوفين بشرائط بيضاء كأنها الأكفان، غير أن اللحم منها بُعث، ورغمًا عن الأوجاع لم تخل تلك الديار من الرفث، فتناطحت الجثث، وأصدرت جروحها الخبث. فقال أنيسي المأمون انظر فنظرت: فإذا هن جنياتي، في غرفة الأكل، ينتظرن كما لو كنّ الوصل، ورأيت أن حارسا يدخل بمقرعةٍ وسيخ، فيصفد من أكبرهن العنق والمعصم، ويمرر السيخ على البطن والصدر، فيصدر الدم، لم أقو فأشحت وأشفق الأنيس، وقال يا وحيدًا مقرون، أنظر ماذا صار لغزلان البيد، فأدرت رأسي وتذكرت باقون* الراسم الملعون، ومضيت بين الجثث، كأنها العسس، تمشي وتصب الدم، ولحمها مبزول، من الفك والبطن والقدم. تتناوش كالعميان، وهي في الأكفان. ومضيت أنظر فيهم، فكان نظري فيهم أن بعضهم مات منذ قُتِل، لكن حرس الديار هذه تركوه يحتضر، فكان له النواح والصراخ عمل. وأن بعضهم ارتكن لحائط القبو، وعيناه عذابان، يطلان من محجرين، لو نظرت فيهما لانصهر قلبك، وطار عقلك من فرط الضياع، وأبدية ما شاع ، فيه من الجرْح بالسيخ، وفيه من السلخ، والبقر والطعن، وفيه من العفن، ما دلّ على عذاب المكوث، وفرط وطأة الغياب، في ذلك القبو الخبيث
ثمّ ركضت، وتخبطت، في البشر الذين ليسوا موتى، والذين ليسوا أحياءًا، ونظرت في قلبي فوجدت الأخوان لم يحضروا، فطلبتُهم، فركضتُ للأمام، وخليت عن دار السلخ، وما عبرتُ برزخ، وعدت إلى القصر، فوجدت من تحرس الذهب، ومن تشرب العنب،الإمرأتان البيضاوان، تضحكان وتشرعان طيورهما، فامتلكتني الشهوة ثم كففت، وسألتُ عمّا رأيتُ من عجبْ، فقالتا اصمت، ألست تنظُر، وأشارتا للجدار، فرأيتُ ما قد صار صار، ونظرتُ ورائي فلم أجد لا ذهبا ولا امرأتين ولا عنب. ووجدتني في القبو، أحمل الحطب، عن شجرةٍ من السيوف، حطبُها سيوف، أقصه بفأسٍ كبيرةٍ، وأعبئه في قصعةٍ من الحجر، أحمله لعذابات تلك البشر، وأبطلهم به للفور. عن عذابات ذلك الغور.
جميع الحقوق محفوظة لفضاءات ©
|